https://sidonianews.net/article337163 /لبنان: هل يخرج من وظيفة الساحة إلى رحاب الوطن؟
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / لبنان: هل يخرج من وظيفة الساحة إلى رحاب الوطن؟

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

كان بيار الجميل أول رئيس لحزب «الكتائب اللبنانية» من أشدّ أنصار وحدة لبنان حماسة، والداعين إلى استقلاله، وواجه تياراً واسعاً في الأوساط المسيحية، كان يرفض التخلّي عن الإنتداب الفرنسي، ويرى وجوده في تلك المرحلة ضمانة للمسيحيِّين الذين يتوجّسون، لا من المسلمين إخوتهم في المواطنة والوطن، بل من الإتجاهات الوحدوية ذات التوجُّه التذويبي مع «الأمة السورية» التي نادى بها أنطون سعاده، أو مع «الأمة العربية» التي حملت لواء النضال في سبيلها شخصيات سياسية، فكرية، حقوقية، في كل من لبنان وسوريا والعراق، قبل النكبة.

كان الصراع حول هوية لبنان السياسية والثقافية وشكل نظامه. وعلى رغم من أنّ دستور البلاد كان الأقرب من بين كل دساتير الدول المجاورة إلى مفهوم الدولة المدنية، فإنّ الميثاق الوطني شكّل خطوة متقدّمة على طريق تثبيت صيغة تحتضن التنوع تحت عناوين وطنية جامعة. لكنّ الحقيقة التي لا مفرّ من التذكير بها، هي أنّ ولادة دولة إسرائيل 1948 قلبت كل المفاهيم والمقاييس، ولم تأتِ هذه الولادة من رحم العدم، بل تتويجاً لمسار طويل بدأ مع و«وعد بلفور» في العام 1917، ومرّ في مراحل عدة، تكرَّست بتمكين الدولة العبرية في هذه المنطقة، على أساس أنّها عين الغرب وعصاه الغليظة في جغرافية ممتدة، تزخر بالثروات ذات التأثير الاستراتيجي كالنفط، الغاز، الذهب، المعادن الثمينة والنادرة، والزراعة، وقبل أي شيء: المياه نفط المستقبل.

وكان المسيحيّون، وخصوصاً الموارنة، أول مَن تنبَّه لهذا الخطر: نجيب عازوري، الأب بولس عبود الغسطاوي، الشيخ يوسف الخازن، الشاعر وديع البستاني عاشق فلسطين، موريس الجميّل، الوزير السابق ميشال إده وسواهم من أعلام. ذهبت تحذيرات هؤلاء سدى، لأنّ أحداً لم يدرك كنه ما سعوا إليه لمنع قيام هذا «الزرع المصطنع»، قبل أن يصبح حقيقة واقعة، وذلك بسبب الخلافات المستشرية بين الزعماء والقادة العرب فترتذاك. وهكذا ضاعت فلسطين، التي باتت قضيّتها «قميصاً» يلوِّح بها أبناؤها، وكذلك الأنظمة العربية على اختلافها، ليبرّروا السيوف المسلولة التي شهروها ضدّ بعضهم البعض. رفض قرار التقسيم، وكانت النكبة الكبرى، رفض اقتراح الحبيب بورقيبه الذي دعا إلى دولة فلسطينية يتعايش فيها العرب بمسلميهم ومسيحيّيهم، في إطار صيغة تُنظّم السلطة وكيفية تداولها، قامت القيامة عليه عندما عرضها لدى زيارته إلى بيروت العام 1965، وكانت نكسة حزيران 1967. ولما اختارت منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها كافة، والتنظيمات غير المنضوية فيها، درب الكفاح المسلح بعد استقالة أحمد الشقيري من رئاستها، ولدت ثنائية السيادة اللبنانية ومطالبة الفلسطينيين «بحقهم في المقاومة عبر الحدود مع دولتهم المحتلة»، متسلحين بلاءات قمة الخرطوم (السودان في آب 1967): «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض»، وكان ما كان من أمر الاتفاقات (القاهرة: 1969، ملكارت 1973» بين السلطة اللبنانية والمنظمة، والتي كانت عبارة عن هدنة هشة مهّدت للانفجار الكبير في العام 1975 الذي دام 15 عاماً، قبل أن تضع الحرب أوزارها ويصبح اتفاق الطائف دستوراً، وهو في الحقيقة - إذا ما أمعنا النظر فيه وفي طريقة تطبيقه - لوجدنا أنّه أقرب إلى وقف إطلاق نار منه إلى سلام مستدام بين اللبنانيّين. وكل ذلك مردّه إلى الاتفاقات أو التجاذبات الخارجية الدولية والإقليمية والعربية التي كانت تحكم القرار السياسي اللبناني، الذي قلّما خلا من بصمات سورية، إيرانية، سعودية، وأميركية وفرنسية، بحسب الظروف والحقب والموضوعات والمصالح السياسية والاقتصادية المتداخلة.

واليوم، نرى لبنان في قلب الإعصار الدولي - الإقليمي، يُضاف إليه العامل الإسرائيلي كما في العام 1982، والعام 1978 من قبل، والذي أفرز احتلالات بلغ آخرها بيروت، وكانت العاصمة العربية الأولى التي يدخلها الجيش العبري عام 1982، ونتائج سياسية تمثلت في اتفاق 17 أيار 1983، وما تلاه من تطوُّرات أدّت إلى إسقاطه، وإطالة أمد الحرب. ولسنا في حاجة إلى إثبات ما ارتكبت وترتكب إسرائيل من مجازر، على رغم من مساعي وقف إطلاق النار، التي لن تكون على ما يبدو من دون ثمن سياسي، وهو ما يتبيَّن من مفاوضات واشنطن، حيث تبدي تل أبيب تصلّباً، الغرض منه حمل لبنان ليس على توقيع معاهدة سلام معها فحسب، بل على تطبيع العلاقات.

في الواقع، لم يعُد ثمة وجود للاءات الخرطوم. فهناك صلح، وهناك اعتراف وهناك تفاوض. والعالم العربي لم يعُد معنياً بالصراع مع إسرائيل، وحتى السلطة الفلسطينية هي الأكثر مرونة مع هذه الدولة التي اغتصبت حقوق شعبها في أرضه التاريخية وتقرير مصيره.

أذكر أنّ رئيس «الكتائب اللبنانية» الراحل بيار الجميّل، قد وجّه في العام 1974 رسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر لمناسبة زيارته إلى لبنان واجتماعه مع الرئيس سليمان فرنجية في قاعدة رياق الجوية، دعا فيها إلى دولة ديموقراطية في فلسطين، يتعايش في ظلالها العرب من مسلمين ومسيحيّين، فيتقاسمون السلطة وينهون عقوداً من العنف، وكان الجميّل يعتقد أنّ لبنان بتركيبته التعدُّدية يمثل خطراً على إسرائيل الساعية إلى دولة يهودية.

كل هذا المشهد من الماضي، وأي طرح من هذا القبيل أصبح بعيد المنال، والصراع لا يزال قائماً بأشكال شتى ومختلفة، ولبنان هو الأكثر استهدافاً. وإنّ الوضع الداخلي المتأثر بإرهاصات هذا الصراع، يذهب في اتجاهات بالغة الخطورة على تماسكه الداخلي وسلمه الأهلي. ولئلّا تكون التفسيرات المتناقضة لدور لبنان المفترض في الصراع القائم بالمنطقة، والنقاش الدائر حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، وسيادة منطق الدولة، وعلاقة اللبنانيّين بعضهم ببعض، وواقع اتفاق الطائف في ضوء عدم استكماله وممارسته كما تقتضي الممارسة نصّاً وروحاً لتبيّن نقاط القوّة من الضعف الكامنة فيه، يبدو من الأهمّية بمكان عقد مؤتمر وطني، يكون نتاج إرادة لبنانية صرف. فلا يُدفع المعنيّون به بضغط خارجي، بل بقناعة ذاتية لإنتاج حل «صُنع في لبنان»، يحدّد موقع لبنان من التسويات الكبرى الحاصلة في العالم، والمنطقة العربية، بما يحفظ استقلاله ووحدة أبنائه وجغرافيّته، فيخرج من «وظيفة الساحة» إلى رحاب «وطن الرسالة»، ليربح نفسه ويستحق الحياة.

----------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت/ أخبار لبنان / لبنان: هل يخرج من وظيفة الساحة إلى رحاب الوطن؟

 





www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://sidonianews.net/article337163 /لبنان: هل يخرج من وظيفة الساحة إلى رحاب الوطن؟