جريدة صيدونيانيوز.نت / العقوبات الأميركية بروفا لضغط أشدّ: الجميع بالدوامة !؟
Sidonianews.net
-----------------------
الجمهورية
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
لم يعُد في لبنان حياة سياسية، بل حروب سياسية، وذلك لانعدام الرغبة في الحوار، وسيادة ثقافة التخوين المتبادل، وحملات التشكيك بالمقاصد والنيات التي لا توفِّر أحداً، من دون أن يمتلك المسؤولون القدرة على الضبط، وعجز القيادات الروحية عن القيام بأي مبادرة، خوفاً من التصويب عليها ومحاصرتها.
يقول مسؤول سابق، إنّ ما يُحكى عن التفاوض وضرورة إقبال لبنان عليه، وإن كان لا يحمل بين يدَيه أي ورقة قوّة وضغط، وعدم تفويت الفرصة خشية أن تدفع التطوُّرات إلى واقع جديد أكثر تعقيداً، فيصبح الخروج منه أشدّ صعوبة، يقابله كلام مغاير، أنّ لبنان الرسمي بكّر في الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، وهو يعرف أنّ إسرائيل تُتقن فن المراوغة والتفلّت من أي التزام، وهذا ما بدا واضحاً برفضها لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 425 الذي صدر على إثر أول اجتياح قامت به لجنوب لبنان في 14 آذار 1978. يومها كان العالم يدور في فلك «ثنائية القطب»، حيث المواجهة المباشرة محتدمة بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي والعالم الغربي بزعامة الولايات المتحدة. وكانت أوروبا على غير ما هي عليه اليوم من ضعف، وما كانت دول الجوار على هذا القدر من التراجع والاهتزاز الداخلي. وقد ووجهت إسرائيل في الجنوب في تلك الفترة بمقاومة لبنانية وفلسطينية مشتركة، قبل أن تتحوَّل إلى مقاومة إسلامية بقيادة «حزب الله» منذ منتصف الثمانينات.
وما بين المنطق الأول والمنطق الثاني، هناك فجوة لم تُردَم بعمل جاد لوقف هذا التباعد الداخلي بأبعاده السياسية التي تتجاوز حدود لبنان الذي بات - من دون مكابرة - في شراك الصراع الدولي، بل في عينه وقلبه.
ويضيف المسؤول السابق، أنّه لا بدّ من حملة اتصالات مع جميع الفرقاء من دون استثناء، لصَوغ تصوُّر الحدّ الأدنى من التوافق حول الغاية من التفاوض، حدوده، والمدى الذي يمكن أن يبلغه، وأن يعطي جواباً على الآلية التي ينبغي اعتمادها لتنفيذ قرار مجلس الوزراء بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني. وهذا الأمر يقتضي حواراً، والحوار غير قائم، بعدما بلغت المواجهة بين كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة، و«حزب الله» والفريق المؤيِّد له، إلى ما يشبه القطيعة. وذلك على رغم من تسمية النائب حسن فضل الله مسؤولاً عن العلاقة مع رئاسة الجمهورية بدلاً من رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد.
إنّ كل يوم تأخير في عدم بلورة صيغة «الحدّ الأدنى» من التفاهم بين الأفرقاء اللبنانيّين، لتكون الوثيقة الرئيسة التي يتحصَّن بها الوفد اللبناني إلى واشنطن، يزيد الأمور تعقيداً، ويجعل الدولة في موقع الضعف، لأنّ تل أبيب لا تريد اتفاقاً متوازناً، مستداماً، مبنياً على القانون الدولي، طالما أنّها تحظى بدعم الولايات المتحدة المطلق. وهي تجد في هذه الحال فرصتها الذهبية لفرض إملاءاتها في ظل شبه «غيبوبة» أممية، وغياب «جامعة الدول العربية» التي تقلّص حضورها الدولي والعربي إلى الحدود الدنيا.
وإذا حللنا خلفية العقوبات الأميركية التي صدرت أخيراً، نرى أنّ ليس عبثاً إدراج اسم النائب فضل الله الذي تسلّم ملف العلاقة بين «حزب الله» ورئاسة الجمهورية. كما كان لافتاً إدراج اسمَي أحمد البعلبكي مسؤول الأمن في «حركة أمل»، وأحمد صفاوي قائد «الحركة» في جنوب لبنان، لأنّ لهذا التدبير رمزيّته، كونه يستهدف بصورة غير مباشرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، لأنّ البعلبكي وصفاوي من أقرب «الحركيِّين» إليه ويتمتعان بحضور ميداني فاعل، وذلك للضغط عليه والقول له إنّ مواقفه من التفاوض المباشر، وحذره الدائم، ورفضه التجاوب مع ما نقله إليه السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى من مقترحات، أثارت حفيظة واشنطن التي كانت تأمل تغطية المفاوضات المباشرة والتصدّي لـ«حزب الله» بل الإنقلاب عليه، لكنّ أبا مصطفى الخبير بدهاليز السياسات الدولية والوضع اللبناني الداخلي، ليس من النوع الذي يرضخ للضغط مهما اشتدّ، خصوصاً في مثل هذه المرحلة الصعبة والخطرة التي تمرّ فيها الطائفة الشيعية، التي يحرص على تماسكها ووحدتها في وجه ما يتهدَّدها ويُخطَّط لها، ويرفض أي مقترح يمكن أن يؤدّي إلى اقتتال داخل طائفته أو زجّ الطائفة في وجه الدولة وسائر الطوائف اللبنانية.
كذلك، فإنّ العقوبات طالت الجيش اللبناني، من خلال مدير مكتب مخابراته في الضاحية الجنوبية العقيد سامر حماده، وذلك في رسالة واضحة إلى قيادة الجيش اللبناني، لأنّها «غير مطواعة» في التجاوب مع الضغط الأميركي-الإسرائيلي بالمبادرة إلى نزع سلاح «حزب الله». بمعنى أنّ واشنطن التي راهنت على الجيش، و«احتكرت» تسليحه، لا تهمُّها الاعتبارات التي تتذرَّع بها قيادته في مقاربة موضوع «حصر السلاح» بيَد الدولة، بقدر ما يهمّها مواجهة الحزب بالقوّة، ولو أضرّ ذلك بوحدة المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي. واللافت أنّها المرّة الأولى التي تعمد فيها الولايات المتحدة إلى معاقبة ضابط في الجيش اللبناني يشغل منصباً حساساً في واحدة من أكثر المناطق استهدافاً من الدولة العبرية. وكان موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل واضحاً في البيان الذي أصدره لجهة رفضه أي اتهام لضباط المؤسسة العسكرية الذين لا يتلقون الأوامر إلّا من قيادة الجيش، ويعملون بتوجيهاتها.
على أنّ رئيس وحدة التحليل في الأمن العام اللبناني العميد خطار ناصر الدين الذي شملته العقوبات، هو من الضباط المعروفين بنشاطهم. وقد جرى التعاطي معه وكأنّه من «مفاتيح» الحزب في سلكه، فيما هو يعمل في مؤسسة رسمية تابعة للدولة، ويتبع قانوناً ومسلكاً لتوجيهات قيادتها. وفي هذا الإجراء تصويب على «الأمن العام» اللبناني الذي يقوم بدوره، والذي كان موضع ثناء الإدارة الأميركية غير مرّة، وتقديرها، لا بل الإشادة بإنجازات هذا الجهاز الأمني المهمّ، الذي أدّى أدواراً مهمّة في العديد من الموضوعات ذات الحساسية الأمنية، والأمنية-الاجتماعية، كما في ملف النازحين السوريّين.
ويقول خبراء في الشأن اللبناني، إنّ الضغط الأميركي على لبنان سيستمر ويشتد، وما كانت عقوبات الأمس إلّا «بروفا» يمكن أن تتكرَّر في أي وقت، في ظل تنامي الحديث من مصادر أميركية، عن لائحة سياسيّين وعسكريّين وأمنيّين لبنانيّين ينتمون إلى الجيش ومختلف الأجهزة، يُنتظر الإعلان عنها. لكنّ أحداً ممَّن جرى الاتصال بهم للتحقق من هذا الحديث لم يؤكّد ولم ينفِ مضمونه. لكنّ العقوبات الأميركية الأخيرة جاءت لتزيد تل أبيب عناداً وإصراراً على فرض شروطها على لبنان في مفاوضات واشنطن. وليس مصادفة أن تُتخذ مثل هذه الإجراءات قبل 29 أيار الجاري، موعد اجتماع اللجنة الأمنية في العاصمة الأميركية.
لكن ماذا سيترتب عن هذه العقوبات، في ظل انهماك لبنان الرسمي في تشكيل وفده العسكري والأمني إلى واشنطن؟
لا تستبعد جهات واسعة الإطلاع أن تزيد العقوبات لبنان الرسمي إرباكاً، وهو على وشك تشكيل الوفد العسكري-الأمني، وكيفية مواجهة الوفد المفاوض في واشنطن التطوُّرات في ضوء عدم تقيُّد إسرائيل بوقف إطلاق النار، واستمرارها في جرف المنازل وكل مظاهر العمران في الجنوب. كذلك، فإنّ العقوبات استهدفت شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية من «الثنائي الشيعي»، ممّا يعني انتقاماً من فشل محاولات فكّ التحالف بين طرفَيه، وإمعاناً في السعي لإضعافه، بما يسهّل فرض شروط غير مقبولة منه، مهما كانت التكلفة غالية وعالية.
ويجزم خبير سياسي، أنّ هذه العقوبات لن تؤدّي غرضها. بل على العكس، فإنّها ستزيد «الثنائي الشيعي» تماسكاً وحذراً على قاعدة «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»، كما أجفلت المؤسسة العسكرية وجعلتها تتوجَّس وأكثر حذراً في التعاطي مع الأوضاع في المرحلة الآتية.
وفي خلاصة القول، إنّ واشنطن «عمت» مرحلة التفاوض المقبلة على أرضها، بدلاً من أن «تكحّلها». وهي أعطت سبباً كافياً للرئيس نبيه بري وقيادة «حزب الله» لرفض الصيغ المعروضة عليهما بشأن المفاوضات وما يمكن أن تستقر عليه.
لن تتضح الأمور قريباً، فيما الإعتداءات الإسرائيلية مستمرة بقوّة حاصدةً البشر والحجر، في مواجهة مقاومة لم تُلقِ سلاحها، وهي لا تزال توقع إصابات مباشرة في المناطق التي تمركز فيها الكيان الإسرائيلي، وتُكبِّده خسائر في الأرواح والعتاد، من دون أن توفّر مسيّراتها الانقضاضية وصلياتها الصاروخية المستوطنات الواقعة شمال إسرائيل.
لا شيء يشي بحلّ قريب. الجميع في دوامة النار. ودائماً، وفي موازاة مسار واشنطن، من الحكمة بمكان، عدم إغفال مسار إسلام آباد. وما بين الحرب وعدمها، كـ«غمضة وانتباهتها». فهل يبدِّل اللاعبون الكبار من حال إلى حال؟
-----------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان/ العقوبات الأميركية بروفا لضغط أشدّ: الجميع بالدوامة !؟