جريدة صيدونيانيوز.نت / شقة الضاحية أغلى من الجنوب وأهله؟
Sidonianews.net
-----------------------
الجمهورية / طوني عيسى
الاستدارة العسكرية الإيرانية المفاجئة والمباشرة، تحت عنوان «حماية الضاحية»، تثير جملة تساؤلات حول التوقيت والدوافع، خصوصاً عند مقارنتها بمحطات سابقة أكثر خطورة انقضت من دون ردّ فعل إيراني مباشر بهذا الحجم. فلماذا قرَّرت طهران الانتفاض للضاحية في هذا الشكل المفاجئ؟
ثمة مفارقات تعصف بالتدخّل الإيراني الراهن. فقد جاء رداً على غارة استهدفت شقة في الضاحية الجنوبية، في حين أنّ طهران بقيت تلتزم الصمت التام في محطات سابقة كانت أشدّ وطأة على بُنية «حزب الله»، ومنها اغتيال أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله، وتصفية الصفَّين الأول والثاني من القيادتَين العسكرية والسياسية.
وكذلك، لم تحرِّك إيران ساكناً طوال شهور كانت فيها إسرائيل تنفّذ اجتياحها البري الشامل للجنوب، وصولاً إلى نهر الليطاني، ثم إلى نهر الزهراني، وتجرف مدناً وقرى كاملة، فلم يعُد لها أثر، وتهجّر مئات الآلاف من سكانها، عدا عن توسيع العمليات العسكرية نحو البقاعَين الغربي والشمالي. والآن، بدأت إسرائيل توغلها الحثيث، بهدف إسقاط مدن جنوبية كبرى، أبرزها النبطية، وهي تحاصر مدينة صور وتشرِّد أهلها.
وفي الواقع، سُمعت في الفترة الأخيرة أصوات كثيرة تسأل: إذا كان الجنوب قد ذهب ضحية انتقام «حزب الله» من إسرائيل، لاغتيالها مرشد الثورة الإيراني علي خامنئي، ألا يستحق هذا «الحزب» وبيئته التفاتة مماثلة من طهران؟ أليس منطقياً أن تُشعل إيران حرباً كبرى على حدودها لتخفّف الضغط عن جبهة لبنان، كما فعل الحزب على الحدود اللبنانية؟
واضحٌ أنّ التحرُّك الإيراني لا ينطلق من أبعاد وجدانية أو عاطفية مرتبطة بحجم الدمار في القرى اللبنانية، بل من براغماتية، ويرتكز إلى محدِّدات استراتيجية واضحة. ويمكن تفسير الاندفاعة الإيرانية العسكرية المفاجئة عبر مستويَين من الحسابات:
أولاً: تريد طهران تعطيل المسار الذي تقود إليه حتماً مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن. فهذه المفاوضات، في جلساتها الأخيرة العسكرية والسياسية بدأت تخطّ اتجاهاً حتمياً نحو إنهاء حالة «حزب الله» كحالة عسكرية مستقلة تتغلغل في بُنية الدولة اللبنانية. وعليه، فإنّ التدخّل العسكري الإيراني المباشر عبر الصواريخ وإغلاق الممرات المائية، يمثل محاولة ميدانية لعرقلة آليات تنفيذ هذا الاتفاق، وإعادة خلط الأوراق لمنع فرض أي واقع أمني يجرّد «الحزب» من أوراقه.
ثانياً: تحاول إيران استثمار الورقة اللبنانية في البازار الأميركي - الإيراني، ارتباطاً بحساباتها الخاصة. فهي تنظر إلى ترسانة «حزب الله» والساحة اللبنانية بوصفهما المتراس الاستراتيجي الأول والورقة الأقوى للمساومة في مفاوضاتها مع واشنطن حول ملفها النووي والعقوبات الاقتصادية ودورها الإقليمي. فدخول إيران في اشتباك مباشر مع إسرائيل يهدف إلى رفع كلفة أي تسوية لا تأخذ المصالح الإيرانية المباشرة في الاعتبار.
لكنّ المأزق يكمن في أنّ هذا التدخّل العسكري الإيراني، على رغم من ضوضائه، لن يغيّر من الحتمية التي تحكم اتجاه الوضع في لبنان والشرق الأوسط. فالظروف الميدانية والسياسية تضغط باتجاه لا يصبّ في مصلحة طهران. وفي لبنان، باتت إسرائيل تملك تفويضاً دولياً وأميركياً شبه كامل لمواصلة تفكيك بُنية «الحزب» العسكرية.
وفي الموازاة، يمكن النظر إلى معادلة الأكلاف. فعلى الأرجح سيستنتج «حزب الله» أنّ التدخّل العسكري الإيراني رتّب عليه خسائر سياسية وعسكرية أكبر. فهو يسحب منه ما بقي من التفاف داخلي حوله، ويكشفه جزءاً من صراع إقليمي عابر للحدود اللبنانية. وكذلك، إنّ بيئة «الحزب» الحاضنة ستجد نفسها في حاجة ماسّة إلى مظلّة إنقاذ سريعة داخلية وخارجية بعيداً من طهران.
في أي حال، ما سيُقَر في مفاوضات واشنطن سيجد طريقه إلى التطبيق على الأرض عاجلاً أو آجلاً. ولذلك، الحل الأسهل والأقل كلفة والأكثر عقلانية هو أن يبادر «حزب الله» نفسه إلى تقديم تنازل استراتيجي هادئ لمصلحة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بعيداً من المناورات السياسية أو الرهانات على تعديل موازين القوى الإقليمية. فتسليم قرار الحرب والسلم والترتيبات الأمنية في الجنوب إلى الجيش اللبناني هو الممر الإلزامي والأسلم، وهو الكفيل بوقف آلة السحق الإسرائيلية التي لا تهدأ. وهو الوحيد القادر على حماية البيئة الشيعية اللبنانية المنكوبة بالموت والنزوح والدمار.
----------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / شقة الضاحية أغلى من الجنوب وأهله؟