https://sidonianews.net/article338752 /مواجهة مؤجّلة لنزاع طويل
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / مواجهة مؤجّلة لنزاع طويل

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية / جوني منير

في وقت كانت تتركّز الأنظار على مقر السفارة الأميركية في روما، حيث كانت تدور مفاوضات اليوم الثاني من الجولة السابعة بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية، تدهور الوضع الأمني فجأة في جنوب لبنان، إثر إنفجار في مجدل زون أدّى إلى سقوط قتيلين و6 جرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي. وفيما اعتبرت إسرائيل أنّ ما حصل يندرج في إطار «قيام حزب الله بخرق وقف إطلاق النار»، جاء ردّها عنيفاً، إذ تمت استعادة لغة «إخلاء المناطق» مع رفع مستوى الإستهدافات. لكن السؤال الأهم هنا، يبقى حول تبيان ما إذا كانت هناك ثمة رسائل يتمّ توجيهها إلى المتفاوضين في روما، ومن خلالهم إلى عواصمهم؟ أم أنّ التصعيد العسكري في الجنوب خضع لحادثة غير مقصودة، وجاءت في سياق المخاطر الميدانية المعهودة؟ إدارة

ثمة جوانب كثيرة تحمل طابع الإلتباس، أحاطت بلغم مجدل زون. من جهة، هنالك التزامن بينه وبين المفاوضات الدائرة في روما، ومن جهة ثانية، هو يأتي بعد 24 ساعة فقط على إطلالة الأمين العام لـ»حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، والتي كرّر فيها دعوته السلطات اللبنانية إلى وقف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهو أرفق كلامه بهجوم عالي السقف في اتجاه رئيس الجمهورية. كما أنّ هذا الإنفجار يحصل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يدور شدّ حبال قاسٍ وصعبٍ ودقيق بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، والذي يترافق مع تهديدات قوية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أوحى بأنّه كان على بعد ساعات معدودة من تنفيذها. كذلك، فإنّ الموقع الجغرافي لبلدة مجدل زون يزيد من غموض المشهد. ذلك أنّ المنطقة لا تخضع لسيطرة كاملة لأي من طرفي المواجهة، إسرائيل و«حزب الله». ولذلك لا يمكن الحسم فوراً في ما إذا كان اللغم هو من مخلّفات المعارك أم أنّه مزروع حديثاً. وفي انتظار أن تحسم التحقيقات ظروف ما حصل، فإنّ أكثر من عملية تحمل عنوان «الطابع الفردي» كانت قد حصلت خلال الأسابيع الماضية، بعضها تمثل بهجوم من خلال إطلاق النار، وبعضها الآخر باستهدافات أخرى. وأعادت هذه الأحداث شريط عمليات «حزب الله» أواخر تسعينات القرن الماضي. ومن هنا بات هنالك من يرجح أن يكون «حزب الله» قد باشر باستعادة عملياته التي أدّت لاستنزاف الجيش الإسرائيلي ودفعته للإنسحاب من الشريط الحدودي عام 2000. العربوشعوب الشرق الأوسط

وإذا نظرنا إلى ما جرى اليوم كحدث منفصل، فقد يبدو مجرد اشتباك ميداني. لكن إذا وضعناه في سياق اليوم الثاني من مفاوضات روما، فتظهر صورة أكثر تعقيداً. وهناك قراءات عدة محتملة لهذا التطور:

ـ القراءة الأولى: ضغط تفاوضي إسرائيلي. من المرجح أنّ إسرائيل أرادت أن تدخل مفاوضات روما وهي تُظهر أنّ الوضع الأمني لا يزال هشاً، وأنّها ستطالب بحرّية عمل عسكري أوسع أو بضمانات أمنية إضافية، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات الانسحاب أو توسيع «المناطق التجريبية». فالحوادث الأمنية تمنح الوفد الإسرائيلي ورقة تفاوضية.

ـ القراءة الثانية: احتواء وليس فتح حرب. حتى الآن، على رغم من شدّة الردّ، لم تظهر مؤشرات إلى تعبئة.

ـ القراءة الثالثة: اختبار للمفاوضات. أي حادث كبير خلال التفاوض يختبر قدرة الوسطاء، ولا سيما منهم الولايات المتحدة، على منع انهيار المسار السياسي. فإذا استمرت اجتماعات روما رغم ما حدث، فهذا يعني أنّ الأطراف لا تزال ترى فائدة في التفاوض، حتى مع استمرار الاحتكاك الميداني. الإسلام

أما بالنسبة إلى التحرّك الإسرائيلي في المنصوري، فمن المرجح أنّ هدفه كان أحد الأمور التالية: تمشيط المنطقة والبحث عن منفّذي العملية أو عن عبوات إضافية، وجمع معلومات استخباراتية ميدانية، وتوجيه رسالة بأنّ الجيش الإسرائيلي مستعد للدخول البري السريع عند الحاجة، وليس الاكتفاء بالقصف.

في المقابل، لو كانت إسرائيل قد قرّرت فعلاً نسف مفاوضات روما والعودة إلى حرب واسعة، لكنا نتوقع مؤشرات مختلفة، مثل تعبئة واسعة للاحتياط، وضربات متزامنة على نطاق جغرافي كبير، واستهداف مكثف للبنية العسكرية في مختلف مناطق الجنوب، وهو ما لم يظهر حتى الآن. ما نشهده أقرب إلى محاولة فرض معادلة ردع موضعية، مع إبقاء التصعيد تحت سقف لا ينسف المفاوضات بكاملها. إدارة

لذلك، يمكن القول إنّ ما جرى يبدو أقرب إلى رسالة بالنار لتحسين الموقع التفاوضي منه إلى قرار نهائي بإسقاط المفاوضات، مع بقاء خطر الانزلاق قائماً إذا تكرّرت عمليات مشابهة أو ارتفع مستوى الردود المتبادلة. وفيما يتوقع البعض أن تعمد إسرائيل إلى استغلال ما حصل للتقدّم وتوسيع السيطرة على هذه المنطقة، فإنّ الفريق الإسرائيلي المفاوض، والذي أظهر بوضوح رفضه لمسألة المناطق التجريبية، سيعمل على تعزيز أعذاره للتهرّب من الذهاب في هذا الإتجاه. لكن، وعلى رغم من خطورة ما حصل، إلّا أنّه لن يدفع لا في اتجاه انهيار المفاوضات بكاملها، ولا في اتجاه استعادة مسار الحرب المفتوحة. فالظروف تفرض أقله في المرحلة الحالية استهلاك الوقت بالتفاوض، وضبط السياق الميداني تحت سقف محدّد، ولو أنّ مختلف الترجيحات لا تتوقع استمرار هذا المسار المتأرجح لفترة طويلة.

فالبيت الأبيض يريد تحقيق انفراج إقتصادي عبر تخفيف الأعباء القائمة حول مضيق هرمز، ما سينعكس حتما إيجاباً على الناخب الأميركي. ذلك أنّ مختلف الإستطلاعات باتت تعطي للعامل الإقتصادي التأثير الأكبر على مزاج الناخب الأميركي، خصوصاً على الشريحة المستقلة أو ما يصفه البعض بالفئة المتأرجحة. وهو ما يعني السعي لتأجيل كل الملفات الصعبة والمتفجّرة إلى ما بعد تشرين الثاني. لكن ظروف الإنتخابات الإسرائيلية تبدو مختلفة، وهو ما قد يدفع نتنياهو إلى حسابات مختلفة.

خلال الأيام المقبلة، ستعلن واشنطن عن الإفراج عن معونة مالية مهمّة للجيش اللبناني، حيث تمّ تحديدها بـ150 مليون دولار. وفي ثنايا هذه الخطوة إشارة أميركية إلى عودة العلاقات بين المؤسسة العسكرية اللبنانية وواشنطن إلى سياقها الطبيعي بعد فترة من التباعد والبرودة والتشكيك، ووسط شكاوى عدة بلغت ذروتها في إدراج أحد الضباط الكبار على لائحة العقوبات. لكن هذا الدعم المالي للجيش اللبناني لم يصل إلى المستوى المطلوب. فالمهمّات الكبيرة والواسعة المطلوبة منه خصوصاً في الجنوب، تفرض تجهيزات وقدرات تفتقر لها وحدات الجيش اللبناني. وهو ما دفع بالرئيس جوزاف عون إلى الطلب من المسؤولين الأميركيين خلال وجوده في واشنطن، رفع المساعدات الأميركية إلى حدود نصف مليار دولار، وهو ما لم يتحقق بعد. وقد تكون الأسباب متعلقة بالمسار التفاوضي المفتوح، إضافة إلى التعويل على نتائج ملموسة على أرض الواقع. العربوشعوب الشرق الأوسط

وفي وقت تمّ التهليل بالمرونة التي أبدتها إسرائيل حول الإستعداد للبحث في الحدود البرية، إلّا أنّ ثمة قطباً مخفية لا بدّ من وضعها في الحسبان، خصوصاً أنّ إسرائيل اشتهرت بالمراوغة. ففي 14 آذار الماضي، خرج وزير الطاقة الإسرائيلي بتصريح مفاجئ، كشف فيه أنّ الحكومة الإسرائيلية تدرس إلغاء إتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، ومعلّلاً ذلك بأنّه «غير شرعي». وثمة ما هو أبعد. ففي ظل النزاع الكبير القائم حول الثروة النفطية شرق المتوسط، قد تكون إسرائيل تسعى للسيطرة على مساحة بحرية أوسع، إنطلاقاً من ترسيم الحدود البرية وفق نقاط جديدة. وهنا لا بدّ من إدراج ما يعتقده بعض الخبراء العسكريين، بأنّ سعي إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر لا يندرج فقط في إطار تحقيق مكسب عسكري أساسي ومعنوي مهمّ، بل أيضاً لأنّ ذلك سيفتح الطريق أمام تمدّد إسرائيل لاحقاً في اتجاه ساحل الزهراني. ومن هنا الأهمية التي توليها إسرائيل لتلة علي الطاهر.

كما أنّ طرح ملف الحدود البرية اللبنانية ـ الإسرائيلية سيفتح الباب واسعاً أمام الحدود البرية اللبنانية ـ السورية، خصوصاً أنّ إسرائيل تتحدث عن استمرار تهريب إيران الأسلحة لـ«حزب الله» عبر هذه الحدود وبأشكال مختلفة. وهي تدرج في هذا الإطار ما تمّ اكتشافه من خلال القوات السورية، والتي كشفت عن شحنات كبيرة كانت مخبأة وكانت في طريقها إلى لبنان.

إلّا أنّ الملف الأهم، والذي بدأت الأوساط الإعلامية الإسرائيلية التطرّق اليه، يتعلق بمصير جثث ليهود لبنانيين كانوا قد قتلوا في عزّ الحرب اللبنانية وتحديداً في ثمانينات القرن الماضي في الشطر الغربي من بيروت، والذي كان تحت نفوذ بعض الأحزاب ومن بينها حركة «أمل». وتطالب إسرائيل باسترجاع جثثهم، ومن بينهم رئيس الطائفة في لبنان يومها ويدعى سليم جاموس. ووضعت إسرائيل هذا الملف في موازاة ملف الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.

يأمل البعض في أن تؤدي الإنفراجات على المستوى الأميركي ـ الإيراني إلى دفع الأمور في اتجاه تركيز الإستقرار الهش جنوباً. لكن النظر بشيء من التعمق في المشهد يُظهر بوضوح أنّ لإسرائيل حساباتها البعيدة في جنوب لبنان، كما أنّ للبيت الأبيض ظروفه الخاصة. وهو ما يحتّم علينا ألاّ ننخدع بظاهر الأمور. ومن أهم دروس الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران، أنّ الأولى أثبتت قدرتها على إلحاق الدمار بالثانية، لكن من دون أن تستطيع إخضاعها بسهولة. أما طهران فقد ثبت لها في المقابل أنّها قادرة على إلحاق الضرر بالحضور الأميركي في المنطقة، ولكن من دون أن تهدّد نفوذه. والتجارب التاريخية تقول إنّ هذا التوازن الهش غير قادر على إرساء سلام ثابت. فالإستقرار القائم على الردع الموقت لا ينهي النزاعات جذرياً، إنما يؤجّل انفجارها فقط، ويتركها عرضة للإنهيار عند أي لحظة مختلفة أو احتكاك سياسي أو عسكري جديد.

------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / مواجهة مؤجّلة لنزاع طويل





www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://sidonianews.net/article338752 /مواجهة مؤجّلة لنزاع طويل