الرئيسية / أخبار لبنان /ثقافة ، آثار وتراث /النهار : ليلة بعلبك بين فخامة المكان وضخامة الموسيقى : هيبة العنوان ورهبة الزمان على جبين لبنان

الصورة عن النهار( صيدونيانيوز.نت )

جريدة صيدونيانيوز.نت / النهار : ليلة بعلبك بين فخامة المكان وضخامة الموسيقى : هيبة العنوان ورهبة الزمان على جبين لبنان

جريدة صيدونيانيوز.نت / اخبار لبنان / النهار : ليلة بعلبك بين فخامة المكان وضخامة الموسيقى : هيبة العنوان ورهبة الزمان على جبين لبنان


 
 
النهار

‎بين فخامة المكان وضخامة الموسيقى عزفًا وأَداءً، تعالت الأَصوات موحّدةَ في "صوت ‏المثابرة والصمود"، الاحتفال الاستثنائي المباشِر من معبد باخوس (أَوسَط معابد بعلبك ‏الثلاثة بين جو?ـيتر و?ـينوس) احتفت به الأُوركسترا الفيلهارمونية الوطنية اللبنانية بإِعداد ‏وقيادة للمايسترو هاروت فازليان منفِّذًا أُمسية رائعة نظَّمَتْها لجنة مهرجانات بعلبك الدولية، ‏مدينة الشمس التي زارها خيال جبران في مقطوعته "بين الخرائب" واستهلَّها بعبارة "وشَّح ‏القمرُ تلكَ الخمائل المحاطة بمدينة الشمس برقعًا لطيفًا…" (سمعناها إِلقاءً من رفيق علي ‏أَحمد مرافقًا موسيقى غبريال يارد‎).‎
‎ ‎
وبين سينوغرافيا جان - لوي منغي الجميلة، وبراعة إِخراج باسم كريستو الذكية، نقلت ‏الكاميرات التلفزيونية ظاهرةً فريدةً لم تعُد تكْفِيها مئاتُ المشاهدين كما كل عام، فانتشرت ‏على مئات الآلاف في العالم، شاهدةً على نهوض الفينيق الأُسطوري الذي كان يحترق في ‏هياكل بعلبك ويقوم من رماده أَقوى وأَجمل، وعلى مثاله قيامة لبنان من جحيمه الراهن‎.‎
‎ ‎
في غياب مقاعد الجمهور أَمام الهيكل، حضرَت داخل الهيكل قاماتُ أُوركسترا من 75 عازفًا، ‏و100 صبية وشاب من ثلاث فرق كورال (للجامعة الأَنطونية وجامعة سيدة اللويزة ‏و"الصوت العتيق")، إِحياءً الذكرى المئوية لإِعلان دولة لبنان الكبير (قصر الصنوبر - أَول ‏أَيلول 1920)، فكان طبيعيًّا أَن يرعى رئيس الجمهورية هذا الاستذكار الفني النبيل من فنانين ‏لبنانيين رسموا ليلة أَمس صورة للبنان بهيةً تؤكّد في وعي العالم أَن شمس لبنان الإِبداع لا ‏تحجبها غيوم الزمن العابر‎.‎
‎ ‎
بعد النشيد الوطني (توزيع هُتاف خوري)، وبعد شريطٍ عرضَ تواريخَ وعناوينَ وأَعمالًا كانت ‏شهدَتْها أَدراجُ بعلبك ومعابدها منذ 1956‏‎.‎
‎ ‎
‎ ‎
وفي أَداءٍ محْكَمِ الأَصوات مضبوطِ الإِيقاع، كانت الانطلاقة مع مقطوعة كارل أُورف (1895 ‏‏- 1982) "يا ربَّة القدَر"، وهي فاتحة الكانتاتا المسرحية (تأْليف للكورال والموسيقى) "كارمينا ‏بورانا" (وهي مجموعة 24 قصيدة مغنّاة من القرن الثالث عشر)، أَطلقها كارل أُورف سنة ‏‏1935 على مسرح أُوبـرا فرانكفورت، وما زالت حتى اليوم، بعد 85 سنة، من أَكثر الأَعمال ‏الكلاسيكية الموسيقية المعزوفة في العالم‎.‎
‎ ‎
تلتْها موسيقى الأَخوين رحباني فاتحة مسرحيتهما الشهيرة "أَيام فخر الدين" (بعلبك 1966) ‏بتوزيع جديد من غدي وأُسامة منصور الرحباني فاستعادت أَرجاءُ الهياكل صوتَ فيروز ‏الأُعجوبي حين كانت "عطر الليل" شاهدة على مجد الأَمير فخرالدين (نصري شمس الدين) ‏فاستشهد كي يبقى لبنان حرًّا "أَنا شو بيهمّ بقِيْت أَو ما بْقِيْت، هوّي بْيِبقى. لبنان انبنى ‏وهلق المفاوضة صارت عليي أَنا". وتتالت أَمس مقطوعات أُخرى من ذاك العمل الرحباني ‏الرائع، الضخم الموسيقى الساطع الحوار، وهو بين أَقوى ما أَبدع عاصي ومنصور قبل أَكثر ‏من نصف قرن‎.‎
‎ ‎
ثم كانت معزوفة اللبناني العالمي غبريال يارد (مولود في بيروت 1949) من وحي جبراننا ‏الخالد، وضعَها خصيصًا لفيلم "النبي" الذي أَنتجته سلمى حايك ولعبَت فيه دور كاملة رحمة ‏والدة جبران، وكان عرضُهُ الأَول في مهرجان تورونتو السينمائي سنة 2014. وتخلَّل ‏المقطوعة حضور رفيق علي أَحمد ملقيًا بأَدائه المسرحي القوي مقاطع من نص جبران ‏‏"بين الخرائب" (في كتابه "دمعة وابتسامة" - نيويورك 1914)، فيما كانت تتماهى أَمامنا ‏على الشاشة صور تذكارية من جبران، أَضفت على النص روح صاحب "النبي" الذي غادر ‏لبنان يومًا لكن لبنان لم يغادره ولا أَيَّ يوم‎.‎
‎ ‎
تلتها معزوفة إيغور سترا?ـنسكي (1882 - 1971) باليه "طقوسية تكريس الربيع" التي ‏أَطلقها في ?ـاريس على مسرح الشانزيليزيه (أَيار 1913) وهي اليوم من أَشهر أَعمال الباليه ‏في القرن العشرين، تتالى على تقديمها أَعلام كبار بينهم موريس بيجار. ونسْختُها أَمس ‏كانت من توزيع هاروت فازليان‎.‎
‎ ‎
ومن توزيع فازليان كذلك عزفت الأُوكسترا مقطوعة "كشمير" من ليد زيبلين‎ Led ‎Zeppelinفرقة الروك البريطانية التي أَطلقتْها من لندن في شباط 1975، وهي اليوم، بعد ‏سنوات طويلة على إِطلاقها من أَبرز أَعمال هذه الفرقة التي تأَسست سنة 1968 وأَنتجت ‏ستة أَلبومات نابضة بموسيقاها التي ما فتئت تستعاد‎.‎
‎ ‎
وكانت لافتة كذلك مقطوعة جيوزيبي فيردي (1813-1901) "حلِّقي أَيتها الفكرة"، وهي ‏نجمة الفصل الثالث من أُو?ـرا "نابوكو" (نبوخَذْنَصَّر)، وضعها سنة 1842، وأَطلقها عامئذٍ ‏على مسرح سكالا ميلانو، مستوحيًا إِياها من المزمور 137 في الكتاب المقدس، عن أَسر ‏البابليين إِثْر هدْم أَول هيكل في أُورشليم‎.‎
‎ ‎
ويكون الختام مع بيتهوفن (1770 -1827) في رائعته "نشيد الفرح" (توزيع فازليان) وهي ‏خاتمة سمفونياه التاسعة التي أَطلقها في ?ـيينا سنة 1924 عن نص "نشيد الحرية" للشاعر ‏الأَلماني فردريك شيلر (1759- 1805) كان كتبه سنة 1785. ومن علامات مقطوعة "نشيد ‏الفرح" أَن الاتحاد الأُورو?ـي اعتمدَها نشيده الرسمي، لأنها تمجّد الوحدة والأُخوَّة الإِنسانية‎.‎
‎ ‎
معبد باخوس ليلة أَمس، كان نابضًا بعبقرية لبنان الثقافة والفنون‎.‎
‎ ‎
افتقَدَ تصفيق مئات الحضور أَمامه عند آخر كل مقطوعة، وفي نهاية الأُمسية؟ صحيح. لكنه ‏قطَفَ تصفيق آلاف القلوب في كل العالم، قلوب تخفق فرحًا للبنان الفرح، واعتزازًا بلبنان ‏الصمود، وفخرًا بلبنان الإِبداع الذي يعلو على آنيَّات السياسة العابرات كي يسجِّل للعالم أَن ‏نجمة بيروت لا تغيب عن النبض العاشق، وأَن عبقرية لبنان هي في مبدعيه الخالدين لا في ‏سياسييه العابرين‎.‎
‎ ‎
‎"‎علِّي صوت الموسيقى"؟
‎ ‎
نعم، وها نحن "علَّيناه" في ليل بعلبك الأَزرق، ليلةً خالدةً تماهت مع عصا القيادة في يد ‏هاروت فازليان المبدع أَفكارًا وتنفيذًا، ومع لجنة مهرجانات بعلبك التي حقَّقت رئيستُها نايلة ‏دو فريج حقيقةَ أَنَّ لبنان الفن العالي هو لبنان الحقيقي الذي يتردَّد في صوت عاصي ‏الرحباني: "… وازرعيهُن بالوعر أَرو وسنديان، ملوى الزمان، وقوليهُن: لبنان، بعد الله يعبدوا ‏لبنان‎".‎
‎ ‎
أَمس، في ليلة بعلبك، تناهَت الموسيقى والحناجر من كاميرات التلـ?ـزيون إِلى كل الدنيا ‏كي يعرف العالم كلُّه أَن لبنان لا يقاس بالديموغرافيا السكانية ولا بالجغرافيا السياسية بل ‏بالإِبداعوغرافيا الخالدة التي هي وحدها أَيقونة لبنان اللبناني‎.‎

2020-07-06

دلالات:



الوادي الأخضر