مدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا تعلن عن بدء  التسجيل للطلاب الجدد  للعام الدراسي 2023 -2024
الرئيسية / أخبار لبنان /مقالات /الشيخ مخايل (بقلم : نقيب محرري الصحافة جوزيف قصيفي)

جريدة صيدونيانيوز.نت / الشيخ مخايل (بقلم : نقيب محرري الصحافة جوزيف قصيفي)

 

Sidonianews.net

--------------------

(بقلم : نقيب محرري الصحافة جوزيف قصيفي)

تعود معرفتي بالشيخ مخايل الضاهر إلى مطالع سبعينيات القرن المنصرم، يوم كنت مندوباً برلمانياً لعدد من الصحف. كان الشيخ مخايل بشعره الفضي، وأناقته المميزة وصوته الحاد، يفرض حضوره في الجلسات ببلاغته، ودقته في إيراد الملاحظات، متسلّحاً بذرائع قانونية، ومعرفة بالدستور اللبناني، وحرصه على عدم إمرار أي مسألة تستبطن التفافاً على أحكام الدستور، أو تفسيراً مرتجلاً او تجاوزاً لمنطوق القوانين المرعية. وكانت ملاحظاته تسترعي انتباه زملائه النواب الذين يحرصون على سلامة التشريع، ولا سيما منهم من كانوا يُعتبرون أعلاماً في هذا المجال، أمثال المغفور لهم: الشيخ بهيج تقي الدين، العميد ريمون اده، جوزف شادر، والدكتور حسن الرفاعي، والأستاذ إدمون رزق أمدّ الله في عمرهما. وكانت مواقفه تزعج بعض الذين كانوا يتذمرون من دقّته وصرامته، وعدم مهادنته، لكل من يسعى الى استسهال الأمور على طريقة» laissezfaire,laissez aller». لكن لم تنشأ بيننا علاقة دائمة ووطيدة إلّا في مطالع الثمانينات، عندما زرته بمعية نسيبه رفيق العمر والدراسة الجامعية، المرحوم وليم هاشم الضاهر، الذي دخل معترك الصحافة وافداً من التعليم الثانوي أستاذاً لامعاً في اللغة العربية وآدابها. وكرّت سُبحة اللقاءات التي كانت تسودها النقاشات العميقة، والقراءة الثاقبة والصائبة للأحداث والموضوعات التي كانت تطرأ، سواء على المستوى الوطني والسياسي او التشريعي. وكان رحمه الله، رجلاً مهذباً يتخيّر كلماته التي لم تكن لتخرج يوماً عن جادة الأدب، والاحترام للرأي آلاخر المخالف، لأنّه كان، إلى ثقافته الواسعة، يتحصّن بثقافة الديموقراطية الحقة. وهو كان ذا إنفة، مترفعاً، حساساً، ينتفض لكرامته إذا ما شعر يوماً انّها موضع استهداف، ويرفض أي إساءة تطاوله من دون وجه حق، وهو الضنين بكرامة آلاخرين التي كان يصونها مع اكثر المعارضين لأفكاره وتوجّهاته. كيف لا يعتنق هذا التوجّه، وهو إبن القبيات العكارية، التي كانت لعقود من الزمن الدندانة الرئيسة للجيش اللبناني، وقدّمت للوطن خيرة شبابها الذين ذادوا عنها بإباء، فكان منهم الشهداء الذين خضبت دماؤهم تراب لبنان، كل لبنان، حفاظاً على سيادته واستقلاله. وكان لهذا الانتماء الدور الكبير في تكوين شخصيته المهجوسة بقيم الاستقلال والسيادة، وقد جاهر بهما من دون خوف في ذروة الاحتلالات المتعددة الجنسية، لإيمانه بوحدة الوطن أرضاً وشعباً ومؤسسات.

 

وعندما ترشح لرئاسة الجمهورية، وما أحاط هذا الترشح من التباسات، تداخلت فيه العوامل المحلية، الاقليمية والدولية، حُرم لبنان فرصة كان يمكن أن تجنّبه ما حلّ به من نكبات ومآسٍ، لم ييأس ولم يقتعد، بل واجه بصبر وعناد.

 

ولا أزال أذكر انّ بعض السياسيين الحكماء، الذين يتميزون ببعد النظر، نبّهوا من مغبة قطع الطريق على وصوله إلى قصر بعبدا، لكن تحذيراتهم ضاعت وسط «الهمروجة» التي تنامت وتفاعلت وتحوّلت إلى حال إعتراضية، اقل ما يُقال فيها انّها كانت انفعالية، غير مركوزة إلى المنطق والتبصّر بمآلات الرفض، وارتداداته.

 

وكما أسلفنا، لم يُدخِل ابتعاد الرئاسة الأولى عنه، القنوط إلى قلبه، فظل ماثلاً في المشهد السياسي من بوابة السلطتين التشريعية والتنفيذية، نائباً فوزيراً متألقاً، دائم الحضور. وعلى الرغم من خروجه من المعترك لأسباب لا مجال للتبسط فيها، وإيرادها، واشتداد وطأة المرض وتقادم السن، بقي محافظاً على حضوره الذهني المتوقد، ودائم المتابعة للشأن العام.

 

وأذكر انّه هاتفني منذ سنتين ليسألني إذا كنت أعلم شيئاً عن مجموعة جريدة «لوسوار» الفرنسية لصاحبها الصحافي والنائب الراحل ديكران توسباط، لأنّه يريد أن ينقّب فيها عن موضوع معيّن. وقد استمهلته للجواب. وبعد بحث مضنٍ عرفت انّ هذه المجموعة محفوظة لدى حفيد توسباط. واتصلت به زافاً اليه هذا النبأ، معرباً عن استعدادي لتأمين رقم هاتف صاحب العلاقة للاتفاق معه على كيفية الحصول على مبتغاه. فشكرني بلطف، وقال انّه صرف النظر عن الموضوع. والمرة الأخيرة التي التقيته فيها كانت لدى تقديمي واجب العزاء بوفاة شقيقه في صالون كنيسة القلب الاقدس-شارع سامي الصلح في العاصمة بيروت، وصودف وجود الرئيس تمام سلام، ودار بينهما حوار دلّ إلى مدى إحاطته بالاوضاع، وقدرته اللافتة على التحليل السليم، معيداً إلى الذاكرة صورة شيخ لا يشيخ، ولو بلغ من العمر عتياً.

 

يغادرنا مخايل الضاهر ليرقد هانئاً في تربة القبيات التي احبها حباً كبيراً، حاملاً إرثاً من حضور لا ينكفئ، محققاً قول جان دورموسون: « IL Y A QUELQUE CHOSE DE PLUS FORT QUE LA MORT, C›EST LA PRÉSENCE DES ABSENTS DANS LA MEMOIRE DES VIVANTS» اي»هناك ما هو أقوى من الموت. انّه حضور الغائبين في ذاكرة الأحياء».

 

رحم الله الشيخ مخايل وليكن ذكره مخلّداً.

---------------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / اخبار لبنان / الشيخ مخايل (بقلم : نقيب محرري الصحافة جوزيف قصيفي)

 

2023-02-18

دلالات: