جريدة صيدونيانيوز.نت / أسلحة التفاهة!

صيدونيانيوز.نت / أقلام ومقالات / أسلحة التفاهة!

أسلحة التفاهة!

عندما جاء خباب بن الأرت إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم طالباً منه أن يدعو للمسلمين بالنصر، لم يفعلها النبي الخاتم، وإنما ذكَّره أن هذه الدعوة، كغيرها من الدعوات، يجب أن يدفع أصحابها في سبيل نصرتها ثمنا معلوما، وضريبة مُقدَّرة، وأن "الفيتو" الذي يطلبه خباب رضي الله عنه ليس حلا، ثم قال له بلهجة شبه لائمة: "ولكنكم تستعجلون".

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم قاسيا مع صاحبه؟! بالتأكيد لا. كل ما هنالك أن نبينا قرر أن يرسم لخباب، ولنا من بعده، طريق الوصول لأية غاية، وفيها أن علينا دفع الثمن.. مقدماً. فلا طرق مُعبدة ها هنا، ولا حارات مختصرة توصلك إلى غايتك، ولا أبواب خلفية يمكن أن تسلكها.. لكل شيء قيِّم في الحياة ثمن، ولو كان ثمة استثناء، لكان الأنبياء وأولو العزم من الرسل أَولى به.

هذا الذي قلناه ويبدو لك حقيقة وبديهية لم يعد كذلك، إذ أصبح القفز فوق المسلّمات في زمن "التريند" أمرا غير مستنكر! ومحاولةُ إقناع المرء بأن من قبلنا كانوا يزرعون قبل الحصاد، ويجمعون نقاط العرق لتنتج إنجازاً، باتت شيئا غير محبب!

كيف أقنع ابني أن النجاح مرادف للاجتهاد، وهو يرى ـ كل يوم ـ من ينجح بسبب فيديو على تطبيق تيك توك أو أنستجرام؟ بل كيف أقنعه أن هذا الأمر ليس نجاحاً، ومنظومة الرأسمالية تحيطه من كل اتجاه بسحر "نمبر وان"، وتؤكد له بكل الطرق أن الشهرة والغنى هما كل شيء؟!

مالا يدركه بعضنا ممن يألمون لهذا الحال، أن التفاهة لم تعد مُنكرة، لقد أصبح لها أسلحة وأنياب، ومنطقها مهما رأيناه هشّا فإن وقعه على نفوس الناس كبير.. الأضواء تبهر دوماً، ولا ضوء هنا أشد من ضوء التفاهة وبهرجها. التفاهة تَعِد الناس بكل جميل دون مشقة، تُريهم النجاح قريبا، وأن الأمر لا يحتاج إلا لبعض الإلحاح، فيديو واحد قد يفعلها، وإلى أن يأتي سعدك عليك أن تتنقل يمنة ويسرة كالبلياتشو، أن تجتهد في خلع شيء ما، بدءا من وقارك، وحيائك، وانتهاء بملابسك إن استدعى الأمر!

نحن في زمن الصاروخ لا الطائرة! الصاروخ الذي ينطلق فجأة ويصعد بصاحبه إلى السماء، ليس مهما إلى أين سيصل، ليس مهما متى سيتوقف، بل ليس ضروريا سؤال ماذا لو سقط، المهم أن ينطلق عاليا.. ركوب طائرة النجاح صار مملّا، من سيصبر عليها وهي تدير محركها، وتمضي ببطء قبل أن تعلو تدريجيا، وهي تحتاج إلى حنكة في التعامل مع مطبات الهواء، ومصاعب الرحلة؟ لا أحد في زمن التفاهة يصبر على كل هذا الوقت الضائع!. نعم، هو ضائع بالنسبة لهم، ما دام "صاروخ التريند" قادرا على فعلها، فلماذا نصبر على غيره إذن؟!

والمؤسف ـ ولعله من الجيد كذلك ـ أن عالم التفاهة لم يُرِح الناس، حتى التفاهة تحتاج لإبداع وجهد كي تتخطى مستوى تفاهة من قبلك! كيف سيميز الناس تفاهتك مالم تكن تافهاً استثنائيا؟!.. عند هذه النقطة تحديداً يمكننا أن نبدأ عملنا في محاربة واقعنا المرتبك..

على كل صاحب قيمة وفكر يحمل همَّ واقعنا، أن يعي جيدا دوره في مواجهة تفاهات الواقع بالمزيد من الأصالة، بالثبات وهو يتحدث عن قيمه وفكره، بالسخرية من التفاهة دون تعصب أو ارتباك.. مشكلتنا الكبرى أننا ندمن الشكوى عوضاً عن المقاومة، يتعجب صاحبنا أن التافه يحصل على إعجابات بالملايين بينما هو نفسه لم يدعم المحتوى الجيد بضغطة زر معلناً أنه "أعجبني"، أو مشاركة تتيح لغيره الالتفات إليه ومن ثم انتشاره، بل إن صاحبنا يفتخر بأنه "متابع بصمت"، يقولها في وقار مصطنع، قبل أن يعود ليشكو انتشار القبح بين الناس.

يجب علينا، إن كنا حقاً نريد الصلاح لنا وللإنسانية، أن نقاوم غلبة التفاهة بدعم الأصالة أولاً، ثم تبنّيها في سلوكنا وكلامنا وأفكارنا ثانياً، علينا أن نذبح التفاهة بسكين الإهمال، لا أعني أن نضع الرأس في الرمل، ولكن أن نمضي في الحياة مؤمنين أن هناك ما هو أهم من الإجابة عن سؤال "من أنت؟"، الذي يوجهه لنا المجتمع طمعاً في جعلنا سلعة، إذ نجيب عنه مفتخرين بمسمانا الوظيفي، أو عدد متابعينا، أو بماركات ملابسنا.

أقول، علينا أولاً أن نجيب عن السؤال "من أنا؟" الذي نطرحه نحن على أنفسنا، وأن تكون إجابته ذاتية.. وصدقني، طريق الخلاص يبدأ من إيمان كل واحد فينا أن "من أنا؟" أهم من "من أنت؟".

وكما قلنا، القبح يملك أسلحة، والتفاهة صار لها نفوذ؛ غير أن المنطق له سلطة، وسنن الله الغالبة تساند الخير دون محاباة، بشرط واحد فقط.. أن يكون أتباع الجمال والأصالة أكثر تمسكاً بهما من تمسك قادة القبح بقبحهم.

وصدقني، إن الثمن الذي سندفعه، مهما كان باهظاً وشاقاً، أقل بكثير مما يدفعه أبناء التفاهة ومريدوها، لكنكم تستعجلون!

( الكاتب : كريم الشاذلي)

2023-10-01

دلالات: