الرئيسية / المرأة والمجتمع /الصحة النفسية/د.بلال سالم /أبو نواس والخمر: دراسة نقدية لسلوكيات الإدمان المبكرة وتحذير للأجيال الحديثة

الدكتور بلال سالم /استشاري الطب النفسي والإدمان

جريدة صيدونيانيوز.نت / أبو نواس والخمر: دراسة نقدية لسلوكيات الإدمان المبكرة وتحذير للأجيال الحديثة

صيدونيانيوز.نت/ الصحة النفسية / د.بلال سالم / أبو نواس والخمر: دراسة نقدية لسلوكيات الإدمان المبكرة وتحذير للأجيال الحديثة

على ضفاف التاريخ العباسي، ينبثق صوت الشاعر أبو نواس، الذي غمر حياته في الخمر والمجالس الصاخبة، حتى بدا أن حياته كلها تدور حول الكأس، من فجره إلى ليلته الأخيرة. كتب قائلاً: “الحياة ليست إلا سكرة بعد سكرة”، لتكشف كلماتُه عن اعتماد نفسي وجسدي شديد على الخمر، يعكس الإفراط وفقدان السيطرة، واضطرابات النوم والمزاج، كما لو أن الشراب أصبح شريان حياته الوحيد. وكل مرة يطلب فيها: “ألا فاسقني خمرًا وقل لي: هي الخمر”، يظهر شغفه المستمر، وتعلقه الذي يشبه اليوم اضطراب استخدام الكحول.

ترك أبو نواس واجباته الدينية والاجتماعية، كما قال: “دع المساجد للعباد، وتسكننا الخمر”، دلالة على ضعف الأداء اليومي وإهمال المسؤوليات، وهو نمط سلوكي يشبه ما يعرف اليوم بسلوكيات الإدمان المزمن. وعلى الرغم من وعيه بخطر الشراب، لم يستطيع السيطرة على نفسه، فاعترف: “دع عنك لومي، فداوني بالتي كانت هي الداء”، ليكشف عن صراع داخلي بين الرغبة والوعي بالمخاطر، مع استمرار الاعتماد النفسي والجسدي على المشروب.

تظهر مظاهر الإدمان الجسدي والنفسي في أبياته: “من دون الخمر لا يطيب عيشنا”، و”السهر الطويل يزين لنا الليالي”، حيث أثر الإفراط على نومه وصحته العقلية والجسدية. كما صوّر نفسه في أماكن غير آمنة: “نلهو في الأزقة والليل يدور بنا” و”نترنح في الطريق والنجوم شاهدة”، دلالة على المخاطر الجسدية الناتجة عن فقدان التوازن والإفراط في الشرب. وعندما لاحظ أن الكأس لم تعد تسكر كما في السابق، كتب: “كل كأس جديدة لا تسكر كما الأولى”، مؤكدًا التحمل الجسدي والنفسي والحاجة لزيادة الجرعات لتحقيق التأثير نفسه، وهو ما يشبه مقاومة الجسم للمخدرات أو الإدمان العصبي الحديث.

لكن حياة أبو نواس لم تخلُ من محاولات التوبة والوعي، إذ كتب لاحقًا: “قد هجرت الخمر ودعوت إلى الهدى”، محاولة للابتعاد عن الإفراط والبحث عن طريق الهداية. هذه الكلمات تكشف أن الإنسان قادر على إدراك الخطأ والسعي للتغيير، وأن التوبة فريضة لحماية النفس والجسد والعقل، وهي رسالة للأجيال بأن الحرية الحقيقية تبدأ بالوعي والسيطرة على النفس، والمتعة تصبح بركة فقط حين تُرافقها الحكمة والانضباط، أي أن اللذة لا تكون مفيدة إلا إذا كانت ضمن حدود الشرع والعقل، بعيدًا عن كل ما يضر الجسد أو العقل.

ومن بعده، نرى أن تجربة أبو نواس تحمل دروسًا طبية ونفسية واضحة للقرن الحادي والعشرين: الإفراط في أي مادة أو نشاط يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات جسدية ونفسية، مثل القلق، الاكتئاب، مشاكل الكبد والجهاز العصبي، سواء كان الأمر في الكحول أو المخدرات أو حتى الإدمان الرقمي والسلوكي. وهنا يظهر التشابه بين تجارب الماضي والحاضر: السيطرة على الرغبة والالتزام بالوعي الذاتي هو السبيل لحياة متوازنة.

وفي ختام المقال، لا يمكن تجاهل التحذير الإلهي والنبوي من الخمر: قال الله تعالى في القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” [المائدة: 90]. كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مسكر حرام”، أي أن الابتعاد عن الخمر وكل مسكر واجب شرعي لحماية النفس والعقل. ومن هذه الآيات والأحاديث نستنتج أن أي لذة أو متعة لا ترافقها الحكمة والانضباط تتحول إلى ضرر، وأن التزام حدود الشرع هو الطريق الأكيد للحياة الصحية والمتوازنة.

د. بلال أحمد سالم
٦ ربيع الأول ١٤٤٧ هجري
٢٩ آب ٢٠٢٥ ميلادي

 

2025-08-29

دلالات: