الرئيسية / أخبار لبنان /تحقيقيات وتقارير /الحرب الآتية: بين الليطاني والأوّلي

جريدة صيدونيانيوز.نت / الحرب الآتية: بين الليطاني والأوّلي

 

Sidonianews.net

-----------------------

الجمهورية / طوني عيسى

ثمة تحوّل خطِر يتعرّض له لبنان مع بدايات سنة 2026. إنّه ينتقل فعلاً من مرحلة الديبلوماسية المتعثرة إلى مرحلة الجراحة العسكرية. والتصعيد اللافت أمس، والانعقاد المتوقع للجنة «الميكانيزم» بصيغتها العسكرية الصرفة، قد يكونان المؤشر إلى القرار الإسرائيلي - الأميركي المتخذ: «ما لا تجرؤ الحكومة اللبنانية على تنفيذه في شمال نهرالليطاني وحتى نهرالأولي كما وعدت، سنتولّاه بقوّة النيران».

يعتبر الأميركيّون والإسرائيليّون أنّ المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح هي الاختبار الحقيقي لهيبة الدولة اللبنانية. فالمرحلة الأولى في جنوب الليطاني كانت سهلة نسبياً، لأنّ معظم ما تحتويه من مواقع وترسانات وأنفاق عائدة إلى «حزب الله» تولّى تدميره الإسرائيليّون خلال الحرب وبعدها. كما أنّ «الحزب» نفسه وافق، ولو بصعوبة، على التخلّي عن السلاح في تلك المنطقة التي دُمِّر جزء منها، وغادرها كثير من أبنائها، وهي أساساً خاضعة لمنطوق القرار 1701. ولذلك، أتيح للجيش أن ينتشر هناك، بمشاركة قوات «اليونيفيل»، من دون إشكالات كبيرة.

لكن، بالانتقال إلى شمال الليطاني، تتغيّر المعطيات كلياً، ويُصبح الجيش في مواجهة مباشرة مع ترسانة «الحزب» الذي يقول صراحة: «التزمنا بما يتوجّب عليه جنوب الليطاني وانتهى الأمر، وأي محاولة للمسّ بالسلاح في شمال النهر سنتصدّى لها». وهذا ما تتحسّب له الحكومة اللبنانية في مقاربتها للمرحلة الثانية. فهي ستتجنّب إدخال البلد في صدام أهلي، مهما كان الثمن غالياً، أي حتى ولو شنّ الإسرائيليّون حرباً مدمِّرة.

وإذ بات واضحاً، أنّ إدارة دونالد ترامب تريد منح الحكومة اللبنانية فرصة محدودة لإثبات جدّيتها، فإنّ هذه الحكومة لن تبادر إلى نزع السلاح ولو بعد أسابيع أو أشهر أو سنوات. وهذا ما يُدركه الإسرائيليّون ويستعدّون للاستثمار فيه. وسيقول نتنياهو للأميركيِّين: الجيش اللبناني عاجز عن دخول مواقع «الحزب» في إقليم التفاح وجبل الريحان والنبطية والزهراني وسواها، حيث يُعيد «الحزب» تمَوضعه ويبني خط دفاعٍ جديداً يعوّضه خسارة الترسانة والأنفاق في جنوب الليطاني.

ما يُلوّح نتنياهو بتنفيذه في شمال الليطاني هو تكرار سيناريو الحرب التي شهدها جنوبه، أي ضرب المنطقة بعنف لإجبار «الحزب» على الانسحاب، ثم مطالبة الجيش اللبناني بالانتشار في أرض خالية من السلاح، بدلاً من استهلاك الوقت والجهد في التفاوض على إخلائها. ويُخشى أن يكون الهدف من تغييب المدنيِّين عن اجتماع «الميكانيزم» المقبل هو القول: «لا كلام يعلو على دوي المدافع». وثمة مَن يخشى أن يكون الهدف الإسرائيلي - الأميركي من الاجتماع هو رسم خرائط «مناطق الاشتباك» المتوقعة، لمنع التصادم بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية أثناء الغارات الجوية المكثفة.

ويدور الحديث عن سيناريوهات عدة لهذه الحرب. ففي الدرجة الأولى، تفرض إسرائيل حزاماً نارياً جوياً، من خلال غارات مكثفة تشمل كل القرى والوديان بين الليطاني والأولي لتدمير منصات الصواريخ الدقيقة والمخازن المتبقية. لكن، يُلوِّح الإسرائيليّون بتنفيذ عمليات إنزال سريعة لـ»الكوماندوس» في بعض المناطق لتدمير مراكز معيّنة، يوازيها حصار بحري من الناقورة حتى مصبّ نهر الأولي.

وسيكون الهدف من هذه الحرب جعل المنطقة الممتدّة من الحدود حتى نهر الأولي خالية من السلاح، تحت طائلة الرصد الدائم للمسيّرات، فيما تجد الحكومة اللبنانية نفسها مضطرّة إلى إعلان انتشارها في المناطق التي أخلتها إسرائيل من السلاح. وهذا ما سيفاقم الإنقسام الداخلي على الخيارات الكبرى. ويتحدّث البعض عن إمكان تعديل القرار 1701 لتمتد الرقعة المشمولة به من خط الليطاني إلى خط الأولي.

سيجد الجيش اللبناني نفسه أمام خيارات صعبة إذا وقعت الحرب. فعلى الأرجح، وبمجرّد توقف الغارات المكثفة على المنطقة، سيُطلب منه عبر لجنة «الميكانيزم» أن يعلنها منطقة عسكرية مغلقة، ويمنع عودة أي مسلّح إليها. وقد يُصار إلى تأمين مظلّة جوية أميركية (وحتى فرنسية) لحركته، بهدف ضمانها وتوجيه رسالة إلى «الحزب» مفادها أنّ المَسّ بالجيش هو خرق لإرادة المجتمع الدولي. وسيتعيّن على الجيش دهم المخازن والأنفاق التي كشفها الطيران الإسرائيلي أو دمّرها جزئياً. كما سيتغلغل في الأحراج والأودية لإعلان خلوّها رسمياً من السلاح، ما سينزع الذريعة من يَد إسرائيل لاستئناف القصف، وسيُصادَر أي سلاح يُعثَر عليه. وسيجري توثيق كل هذه العمليات عبر كاميرات ومسيّرات مراقبة مرتبطة بغرفة عمليات «الميكانيزم». أي إنّ مهمّات الجيش في الجنوب ستكون كلّها مغطاة سياسياً وأمنياً بالقوى المشاركة في «الميكانيزم». وهذا ما يُفسر تشدُّد واشنطن في أن يكون لها القرار الأساسي.

وفي السياق السياسي، ربما يكون هدف إسرائيل من تسريع موعد العملية العسكرية هو تقليص نفوذ «حزب الله» الذي سيتراجع تمويله بقوّة، خصوصاً بعد سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ما يُضعف قدراته في تغطية النفقات، بما في ذلك المساعدات والخدمات الطبية لبيئته المنهكة. ويطمح الأميركيّون إلى أن يكون لهذا التراجع انعكاس مباشر على الانتخابات المحدَّد موعدها في أيار المقبل. فهذه الانتخابات قد تجرى هذه المرّة بعيداً من «وهج السلاح» الذي كان له تأثيره الحاسم في السابق...

إنّها لحظات حبس أنفاس، وفيها تبدو الدولة «مرعوبة» من الوضع الذي تُدفع إليه، أي إجبارها على تسلُّم زمام المبادرة... من إسرائيل! ولا أحد يتمنّى أن يصل البلد إلى هذا الاختبار المُذِل. لكنّها أيضاً فرصة تاريخية ليستعيد الجيش دوره. لقد شاء «حزب الله» بنفسه أن يصل إلى هذا الوضع، بمجرّد إشعاله جبهة المساندة في الجنوب قبل عامَين، وإصراره على المضيّ فيها «بأي ثمن»، على رغم ممّا تلقّاه من نصائح وتحذيرات.

-------------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / اخبار لبنان / الحرب الآتية: بين الليطاني والأوّلي

 

 

2026-01-06

دلالات: