الرئيسية / أخبار لبنان /تحقيقيات وتقارير /عفو عام قضائي أم سياسي؟ مالك: العفو استثناء لا قاعدة

جريدة صيدونيانيوز.نت / عفو عام قضائي أم سياسي؟ مالك: العفو استثناء لا قاعدة

 

Sidonianews.net

-------------------

الجمهورية

ميري كارني باسيل

خلف أبواب السجون اللبنانية، تبكي أمّهات أبناءهنّ بانتظار حكمٍ لم يصدر، أو سنواتٍ ضاعت بين التأجيل والمحاكمات البطيئة، وخارج السجون أمّهات يبكين فلذات أكبادهن قُتلوا أو اغتُصبوا على أيدي بعض الذين يُبحَث إطلاقهم إلى الحرّية تحت عنوان العفو العام... مشهدٌ يتكرّر في كلّ مرّة يعود فيها ملف العفو العام إلى الواجهة، يتحوَّل الملف إلى محور انقسام سياسي وطائفي. وبين مَن يعتبر العفو خطوة إنسانية ضرورية، ومَن يراه تسوية سياسية جديدة، يبرز السؤال: هل يُطرح العفو العام اليوم لإنصاف المظلومين وتخفيف أزمة السجون، أم لخدمة الحسابات السياسية؟

العفو يعود في زمن الانهيار

في ظلّ الحرب المستمرة على الحدود الجنوبية والإنهيار الاقتصادي الذي يضرب مؤسسات الدولة، عاد الحديث عن العفو العام بقوّة داخل الأوساط السياسية والنيابية. فالسجون اللبنانية تعاني اكتظاظاً كبيراً، فيما تتأخّر المحاكمات لسنوات بسبب الأزمة القضائية، وتعطّل جزء من عمل المؤسسات الرسمية. هذا الواقع دفع العديد من الجهات السياسية والدينية إلى المطالبة بإقرار قانون عفو يشمل فئات معيّنة من الموقوفين.

من الحرب الأهلية إلى تسويات اليوم

لكنّ ملف العفو العام في لبنان لم يكن يوماً قضية قانونية فقط، بل ارتبط دائماً بالمراحل الحساسة التي مرّ فيها البلد. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، شهد لبنان أكثر من محطة، طُرح خلالها العفو كجزء من تسويات سياسية، هدفت إلى تخفيف الاحتقان أو إعادة الاستقرار الداخلي. ويُعتبر قانون العفو الصادر عام 1991 أبرز مثال على ذلك، إذ أُقرّ بعد انتهاء الحرب الأهلية، وشمل جرائم ارتُكبت خلال سنوات الحرب، في محاولة لإقفال صفحة الصراع الداخلي. كما عاد الملف إلى الواجهة في مراحل لاحقة ارتبطت بأحداث أمنية أو انقسامات سياسية، ما جعل العفو في لبنان مرتبطاً غالباً بالتوازنات السياسية والطائفية، أكثر من ارتباطه بالإصلاح القضائي.

سعيد مالك: العفو استثناء لا قاعدة

ووفقاً لما صرّح به الخبير الدستوري الدكتور سعيد مالك، لـ»الجمهورية» فإنّ «العفو العام يُعتبر استثناءً على قاعدة قانونية ودستورية أساسية، وهي معاقبة كلّ شخص يرتكب جرماً». ويوضّح أنّ العفو يُطرح عادةً بعد الحروب أو المصالحات الوطنية الكبرى أو الأحداث المفصلية التي تهدِّد استقرار البلد، وليس لخدمة مصالح سياسية ضيّقة أو حسابات انتخابية. ويشير مالك إلى أنّ ما يحصل اليوم يوحي بأنّ بعض الأطراف السياسية تتعامل مع ملف العفو كأنّه وسيلة لتسديد فواتير انتخابية أو لكسب جمهور معيَّن قبل الاستحقاقات المقبلة، معتبراً أنّ هذا الأسلوب يُفقد العفو طابعه الوطني والقانوني.

بين العفو العام والعفو الخاص

وفي لبنان، غالباً ما يختلط مفهوم العفو العام بالعفو الخاص أو بتخفيف الأحكام، على رغم من وجود فروقات قانونية واضحة بينها. فالعفو العام يُقرّ بقانون من مجلس النواب، ويؤدّي إلى إسقاط الجريمة نفسها عن فئات محدّدة، وقد يشمل مطلوبين وفارّين إلى جانب السجناء. أمّا العفو الخاص، فيصدر بقرار من رئيس الجمهورية بعد صدور حكم نهائي، ويقتصر على إسقاط العقوبة أو تخفيفها من دون إلغاء الجريمة. بينما يبقى تخفيف الأحكام إجراءً قضائياً يخفِّف مدة العقوبة مع بقاء الحكم قائماً. ومن هنا، لا يُعتبر العفو العام مجرّد خطوة لتخفيف الاكتظاظ داخل السجون، بل قراراً بالغ الحساسية يرتبط مباشرةً بمفهوم العدالة والمحاسبة داخل الدولة.الملف الأكثر حساسية

وفي الفترة الأخيرة، برز ملف الموقوفين المرتبطين بقضايا أمنية أو بتنظيمات متشدّدة، كأحد أكثر الملفات إثارةً للجدل داخل النقاش الدائر حول العفو العام. فقد شهدت بعض المناطق تحرُّكات واعتصامات نفّذها أهالي موقوفين، للمطالبة بإقرار عفو يشمل أبناءهم، بالتزامن مع مطالبات من نواب وشخصيات دينية سنّية بإعادة النظر في هذا الملف. في المقابل، ترفض جهات سياسية أخرى شمول هذه القضايا بأي عفو واسع، خصوصاً في الملفات المرتبطة بمواجهات مع الجيش اللبناني أو بتهم الإرهاب، معتبرةً أنّ أي تسوية من هذا النوع قد تثير غضب عائلات العسكريّين والضحايا.

العدالة في مواجهة السياسة

ويرى الدكتور سعيد مالك، أنّ وجود مظلومية أو أخطاء في بعض المحاكمات، خصوصاً خلال مراحل سابقة، لا يعني بالضرورة شمول جميع المحكومين أو الموقوفين بالعفو. ويؤكّد أنّ معالجة أي ظلم يجب أن تتمّ بطريقة قانونية دقيقة ومسؤولة، لا عبر استغلال الملف لتحقيق أهداف سياسية أو انتخابية.

وبين الضغط الإنساني داخل السجون والانقسامات السياسية والطائفية التي ترافق هذا الملف، يبقى العفو العام في لبنان قضية شديدة الحساسية. فهو لا يكشف فقط أزمة السجون والقضاء، بل يعكس أيضاً طبيعة النظام السياسي اللبناني، حيث تتحوّل الملفات القضائية في كثير من الأحيان إلى جزء من الصراع السياسي والتوازنات الداخلية.

وفي ظلّ غياب إصلاح حقيقي للقضاء والسجون، يبدو أنّ ملف العفو العام سيبقى مادةً للجدل مع كلّ أزمة يعيشها لبنان، بين مَن يراه ضرورة إنسانية، ومَن يعتبره باباً جديداً للتسويات السياسية.

---------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / عفو عام قضائي أم سياسي؟ مالك: العفو استثناء لا قاعدة

2026-05-20

دلالات: