الرئيسية / أخبار لبنان /مقالات /الطائف ما له... وعليه: هل ينقذ؟!

جريدة صيدونيانيوز.نت / الطائف ما له... وعليه: هل ينقذ؟!

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

في كل مرّة يضطرب فيها المشهد السياسي في لبنان، ويحتدم السجال ويختلط التأثير الخارجي باصطفافات وصفقات دولية - إقليمية - عربية و»أجندات» محلية لقوى سياسية تسعى وراء «مغانم»، ترفع ورقة الطائف، وتتبارى هذه القوى بالدعوة إلى تطبيقه نصّاً وروحاً، أو تعديله في ضوء ما يظهر من ثغر أثناء تطبيقه الفعلي، أو إلى إلغائه كلياً وإبداله بصيغة أخرى.

والواقع الراهن يثبت ما يلي:

أ - إنّ الطائف لم يُنفَّذ منه عملياً إلّا وقف إطلاق النار، وإنّ مجلس الوزراء الذي يفترض أن تناط به السلطة الإجرائية مجتمعاً بحسب الدستور الجديد، جرى اختصاره بـ»الترويكا» التي مثّلت في حينه الدولة العميقة، بدعم واضح من النظام السوري السابق وعدم ممانعة أميركية وعربية. وهذا أول خرق نوعي لهذا الاتفاق.

ب - إنّ الغرض من اتفاق الطائف ليس تكريس الغلبة السياسية لفئة على فئة، بل لتثبيت صيغة حُكم تشاركية بين المكوِّنات اللبنانية إنطلاقاً من الثوابت الوطنية بوحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، واللاءات الثلاث الواردة في مقدّمة «وثيقة الوفاق الوطني»: «لا تقسيم، لا توطين، لا تجزئة». وإنّ ما حصل بالنسبة إلى صلاحيات رئيس الجمهورية التي قُلِّصَت، هو أنّ ما كان يُمارَس عرفاً منذ العام 1943 حتى العام 1989 كُرِّس نصاً، لأنّ أي رئيس منذ الاستقلال لم ينقلب على مبدأ الشراكة الوطنية، ولم يتفرَّد، ولا خرج على قواعد العيش المشترك ولم يستأثر بالحكم، وإنّ مذكرات السياسيين في تلك الحقبة تحفل بالأدلة إلى أنّ المشكلات التي تفجَّرت في وجه رؤساء الجمهورية المتعاقبين ليست لأسباب عقائدية، وجودية تتعلّق بالمسلمات الجامعة، بل لأسباب بدأت محلية تتصل بالصراع على السلطة، وعلى اقتطاع حصة من قالب «جبنة» المنافع، وأذكتها يد الخارج المتصارع على أرض لبنان الذي كان يحتضن «مواليد» الأنظمة المتناحرة ونتائجها، محتمِّلاً ما نتج منها مَن غرم وما أمر مذاقه، ومَن غنم لم يجنِ منه إلّا الفتات.

ج - لا شك أنّ ثمة مَن يعتبر أنّ تأخيراً متعمَّداً قد حصل في موضوع استكمال تطبيق بنود الطائف، أقلّه بالنسبة إلى موضوعَين: تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، وإنشاء مجلس الشيوخ على أساس طائفي يتزامن مع تحرير المجلس النيابي من هذا القيد. قد يكون الأمر عائداً إلى أنّ ثمة مَن لا يزال يعتقد أنّ هذَين الموضوعَين لا يزالان في دائرة «التابو»، أو أنّ بعض الفئات تتوجَّس من إخراج السلطة التشريعية من صيغتها الطائفية الراهنة.

لكن هناك بنوداً في الطائف لم تُنفَّذ، وهي لا تقلّ أهمّية عن العناوين الرئيسة الواردة فيه:

أولاً: عدم وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء. وهو أمر أكثر من ضروري.

- عدم وضع تقسيم جديد للدوائر الانتخابية، علماً أنّ هذا الأمر يمكن إقراره منفصلاً، ولو أنّه يتصل موضوعياً بقانون انتخاب من خارج القيد الطائفي. وإنّ القوانين الانتخابية التي اعتُمِدت منذ العام 1992 حتى اليوم كانت غِبّ الطلب، وتلبّي خطط القوى النافذة على الأرض، وقد فرضتها بقوّتها الذاتية أو بدعم من الخارج. وبالتالي، فإنّ نتائج هذه الانتخابات لم تعكس التمثيل الصحيح والمنطقي.

ثالثاً: قانون جديد للأحزاب، وهو لم يسلَّط عليه الضوء بما يكفي. لأنّ الصِيَغ الطائفية والمذهبية الغالبة على الأحزاب تعيق قيام حياة ديموقراطية صحيحة قائمة على الموالاة والمعارضة غير الموسمية، على قاعدة برامج سياسية - اقتصادية - اجتماعية واضحة، ولا تكون صورية على غرار ما «يطلبه المستمعون» كما يشهد لبنان راهناً.

أمّا المؤسسات التي نصَّ عليها الطائف وأبصرت النور، فهي:

- المجلس الاقتصادي - الاجتماعي. كانت الغاية من إنشاء هذا المجلس أن يكون القيِّم على وضع السياسة الاقتصادية والاجتماعية، وأن يقترح التوجُّهات بالنسبة إلى موضوعات التنمية وإعادة الإعمار والتأسيس لاقتصاد وطني يتجاوز الوظائف الخدمية في القطاعَين المصرفي والسياحي، ويتحرَّر من الريعية متّجهاً إلى الإنتاجية. لكنّ الطبقة السياسية لم تشأ له هذا الدور، فأبقت على المجلس كهيئة إستشارية. المجلس يقدِّم الدراسات القيِّمة والمفيدة ويقترح مبادرات رائدة ويعمل كخلية نحل، ووفق رئيسه الناشط والنشاط شارل عربيد في تطوير دوره وحمل الحكومة على إرسال كل مشروعات واقتراحات القوانين ذات الصلة بالصلاحيات التي تدخل في اختصاص المجلس إلى الأخير للنظر فيها وإبداء الرأي، من دون أن يكون رأيه ملزماً.

- المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، وشُكِّل لضرورة مواكبة هذا القطاع المتسع والإشراف عليه بوضع قانون خاص، ورعاية شؤونه ومراقبة أدائه، بغرض إنتاج إعلام وطني. لكنّ هذا المجلس وقف عاجزاً لاصطدامه بالحمايات السياسية والطائفية لهذا القطاع بعد تجريده من صلاحية المحاسبة، والزجر، فلم يعُد يملك إلّا التمنّي أو الإستغراب وأحياناً الاستنكار. وغالباً ما تُقدِم العديد وسائل الإعلام المرئي والمسموع على مخالفة أحكام قانون هذا المجلس، سواء لجهة تسديد الرسوم المتوجِّبة عليها للدولة، وعدم التقيُّد بإلزامية إنتاج مسلسلات محلية، والابتعاد عن أن تكون منابر سجالية خارجة على الضوابط.

- أشار اتفاق الطائف تحت عنوان «العلاقات اللبنانية - السورية»، إلى وجوب إنشاء مجالس ومعاهدات لتمتين العلاقة بين البلدَين، «فكانت» معاهدة «الأخوّة والتعاون والتنسيق» اللبنانية - السورية العام 1991، والتي عارضها في حينه وزيرا «الكتائب» و»القوات اللبنانية» جورج سعاده وروجيه ديب، وصوَّت ضدّها نواب الحزبَين عندما عُرِضَت على المجلس النيابي لأسباب لا يتسع المجال لذكرها. لكنّ موازين القوى والتسابق اللبناني على خطب ودّ دمشق المغطاة أميركياً وعربياً في حينه، ومكائد الساسة المحليِّين، والكمائن التي نصبوها لبعضهم البعض، جعلت لبنان الحلقة الأضعف في هذه المعاهدة.

فما هي إذاً الخطوات التي يجب اللجوء إليها من أجل أن يكون هذا الاتفاق متوازناً، في موازاة العمل على تشكيل المجالس والهيئات التي لم تشكَّل بعد كمجلس الشيوخ، والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية؟

في الواقع هناك خطوات إجرائية يجب العمل على تحقيقها ضمن مهل قصيرة أو متوسطة بحسب الموضوع، بعد انتهاء الحرب على لبنان الذي يواجه للمرّة الأولى بعد الطائف خطر الصدام الأهلي، بسبب تفلّت الخطاب السياسي والغرائز الطائفية، والأولوية حالياً هي لتفادي هذا الأمر مهما بلغت التضحيات، لأنّ تداعياته ستكون بالغة الخطورة. ومن هذه الخطوات:

أ - وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء.

- تحديد مهلة لرئيس الجمهورية لتوقيع مرسوم تسمية رئيس الحكومة الذي تأتي به الاستشارات النيابية الملزمة.

- تحديد مهلة لرئيس الحكومة ليقدِّم تشكيلته الوزارية، وفي حال الرفض تقديم اعتذاره.

- توحيد مهل صدور المراسيم، فلا يُلزَم رئيس الجمهورية بمدة، فيما لا يُلزَم الوزير مثلاً بمهلة معيّنة.

إنّ مَن يقرأ إتفاق الطائف جيّداً، ويحلّل مضمونه يتبيَّن له أنّه يدمج بين صيغة الدولة المركزية والدولة الاتحادية، ويكفل التنوُّع ويصونه، ويوفِّر تجربة سياسية - إنسانية، تقتدى في مرحلة التحوُّلات التي شرع النظام العالمي ينتظرها على وقع الحروب والتوترات، وإنّ العبث به يحمل في طياته أخطاراً شتى. لكنّ بقاءه أو سقوطه، هو رهن إرادة اللبنانيِّين.

وهناك تساؤلات بدأت تُطرَح في الكواليس السياسية: إلى أي مدى ستؤثر النتائج السياسية للحرب الدائرة عندما تضع أوزارها على مصير الطائف، سواء على مستوى العناوين النظرية العامة، أو على مستوى التطبيق العملاني. والمطلوب أن يكون الطائف لبنانياً باتفاق أبنائه، تداركاً لأي تطوُّرات قد تنعكس سلباً على الوضع المستقبلي للبلاد.

فهل يتبلور اتفاق لبناني لدعم طائف متحرِّر من أخطاء الماضي وهناته، ويتسع لتعديلات منطقية ومتوازنة، وآليات تضمن حسن التطبيق، لئلّا يجد لبنان نفسه أمام واقع جديد مفتوح على خيارات شتى.

الطائف بما له وعليه يبقى موضوعاً إشكالياً على رغم من «دسترته». لكنّه الصيغة الموجودة القابلة للتطوير والإصلاح. فهل يكون كل ما حصل مناسبة لإنقاذه على يد اللبنانيين أو...؟

---------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / الطائف ما له... وعليه: هل ينقذ؟!

2026-06-08

دلالات: