Sidonianews.net
---------------------
الجمهورية / طوني عيسى
المأزق يبدو وشيكاً. ربما لا يصدّق كثيرون أنّ «حزب الله»، على رغم الويلات والكوارث والهزائم التي تلقّاها حتى الآن، يصرّ على خوض حرب إسناد جديدة، لإيران. ولكن هذا هو الواقع. ووفقاً، لما أعلن قادة «الحزب» في الأيام الأخيرة، فإنّهم يستعدون لإعادة إنتاج الأخطاء الإستراتيجية إياها، ويخططون لتغطية الوقائع الميدانية الصادمة جنوباً، برشقة جديدة من شعارات «الانتصارات الملحمية»، ستدفع الجنوب كله، هذه المرّة، إلى منزلق وجودي غير مسبوق.
على رغم من الضربات المريعة التي تلقّاها «حزب الله» خلال 3 سنوات مضت، بدءاً بفقدان قياداته التاريخية، مروراً بتدمير هيكلياته وأجزاء واسعة من ترسانة سلاحه، وكثير من المدن والقرى الحدودية وتهجيرها بكاملها، وصولاً إلى قضم أجزاء إستراتيجية من الجنوب ورفع الأعلام الإسرائيلية فوق عدد من تلالها الحاكمة، فإنّ «الحزب» ما زال يمارس حالة إنكار كامل لما جرى على الأرض، وكأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ إسرائيل ما زالت خارج الأرض اللبنانية. وهذا الانفصام عن الواقع يدفع «الحزب» إلى التحضير للمواجهات الجديدة، واحدة تلو أخرى، بذهنية الحروب السابقة، ولو أنّ موازين القوى وقواعد الاشتباك الميدانية قد تبدّلت كلياً لمصلحة إسرائيل. تاريخ
فمع تفجّر الموقف العسكري مجدداً قبل أيام بين واشنطن وطهران، وبدلاً من اعتماد «حزب الله» سياسة الانكفاء لحماية ما بقي من أرض الجنوب، بدأ يندفع للتعبير عن قرار واضح اتخذه، ويقضي بتفجير حرب جديدة في الجنوب، لمساندة إيران في حربها الإقليمية الجديدة. وطبعاً، هذا الإصرار على ربط مصير الجنوب بالملف الإيراني يُنذر، وفق التقديرات السياسية والعسكرية المباشرة، باجتياح إسرائيلي جديد، سيتجاوز حدود «الخط الأصفر» الحالي الذي بلغ الزهراني، ليصل إلى أعماق الجنوب، أي ربما إلى خط نهر الأولي في بعض النقاط، ما سيعيد تلك المنطقة إلى الواقع الذي سادها قبل العام 2000. وستكون مغامرة «الحزب» حاسمة ونهائية هذه المرّة، لأنّها تتجاوز ما تسببت به جولات القتال السابقة، وتؤدي إلى ضياع الجنوب كله، وتحويله منطقة عازلة تحت الاحتلال، على مدى زمني غير محدّد.
ليس في يد الدولة اللبنانية أي مخرج من المأزق الجديد، الذي بات وارداً جداً في ظل عودة الحرب بين إيران ومحور الولايات المتحدة - إسرائيل. فلا هي قادرة على صدّ تقدّم إسرائيل عسكرياً ولا هي قادرة أو مستعدة لمنع «الحزب» من خوض المغامرة الجديدة، خوفاً من انزلاق البلد إلى مواجهة داخلية. وكل ما تستطيع القيام به السلطة اليوم هو استثمار ما أمكن من رصيد استعادة الدولة اللبنانية دورها وقرارها، ونزع مبررات إسرائيل. تحليلاتسياسية
لكن هذا الرهان يتوقف كلياً على قدرة الجيش على فرض سلطته المطلقة، وإنهاء الجزر الأمنية في الداخل، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وهو المسار الذي يعطّله «حزب الله» بإصراره على إبقاء الجبهة الجنوبية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، خدمة لإيران أو سواها، ولكن الدوافع لا تمتّ بصلة إلى مصالح لبنان.
لذلك، يقف لبنان مربكاً أمام ساعة الحقيقة، وهو يعرف أنّ زمن الهوامش الرمادية قد انتهى إلى غير رجعة، لأنّ الوقائع تبدّلت جذرياً على الأرض. فالجنوب لم يعد يتحمّل أوهام «حروب الإسناد» التي لم توصل إلّا إلى الدمار والتهجير وقضم الأرض. وأزمة لبنان الحقيقية اليوم هي أنّ «حزب الله» لم يتعلّم من الدروس القاسية جداً التي مرّ فيها، مع أنّ غالبية اللبنانيين يحاولون تدارك الأسوأ بأي ثمن، ويعملون جاهدين لمساعدته على النزول عن شجرة المغامرة، لمصلحة الجميع.
وفيما قرار «الحزب» يبدو في طهران لا في لبنان، فإنّ البلد يسير بخطى ثابتة نحو الكارثة الكبرى والحاسمة. والمخرج الوحيد لمنع ضياع الجنوب نهائياً ووقوع لبنان تحت وطأة الخيارات الإجبارية يبقى واحداً، وهو اقتناع «الحزب» بخيار الدولة والجيش والشرعية، وإن بدا ذلك صعباً عليه وموجعاً. وهذا الانتقال يتطلّب جرأة وسرعة قرار استثنائية، من جانب قيادة «الحزب»، إذا كانت قادرة على القيام بذلك، وقبل فوات الأوان، أي قبل أن تلتهم ألسنة النار الآتية كل ما تبقّى من الجنوب، وتفرض على لبنان أن يخضع لإسرائيل والتسويات الثقيلة التي يجري تحضيرها للشرق الأوسط، عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، والتي سيكون مرغماً على قبولها تحت طائلة استمرار دوامة الدم والدمار والتهجير، وتوسيع رقعة الاحتلال والسيطرة إلى حدود لا يمكن تقديرها.
-----------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / حرب إسناد جديدة.. ويطير الجنوب!
2026-07-11





