Sidonianews.net
--------------------
الجمهورية / جوني منير
لم يعد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مجرد تبادل محدود للرسائل، بل بدأ يتحوّل تدريجاً إلى مواجهة عالية السقف، تتسع رقعتها الجغرافية وتتعدد ساحاتها وتهدّد بالانزلاق في اتجاه حرب مفتوحة. لكن الملاحظ، أنّ طهران وخلافاً لعادتها، تعمد إلى الذهاب في اتجاه الأمام. فبعدما أعلنت إغلاق مضيق هرمز، عمدت إلى توجيه رسائل واضحة بتوسيع خياراتها في حرب الطاقة، أي بالتلويح بإغلاق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وباشرت في رفع مستوى استهدافاتها الصاروخية، والتي أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى من الجيش الأميركي على الأراضي الأردنية.
لكن رفع مستوى القصف في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة أنّ إيران قرّرت دفع الأمور في اتجاه الحرب الشاملة. لكنه يعني أنّ قيادة الحرس الثوري تريد «القوطبة» على الإندفاعة العسكرية الأميركية عبر رفع كلفة أي ضربة أميركية قد تحصل، وإظهار أنّها ما زالت قادرة على الردّ رغم الضغوط الأميركية الحاصلة. وبالتالي، قد تكون طهران تريد إظهار قدرتها على الردع، وأنّ أي هجوم سيقابله ردّ عسكري «إنتحاري». كذلك، قد تكون طهران في صدد تحسين وضعها التفاوضي، لاقتناعها ربما بأنّ التصعيد الأميركي يهدف في نهاية المطاف إلى إنهاك إيران تمهيداً لإعادتها إلى طاولة المفاوضات وفرض اتفاق يختلف عمّا سبق. وقد شهدت الأسابيع الماضية محاولات متكرّرة لإحياء التفاهمات على رغم من الإشتباكات. وجاء كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمس بدعوته للعودة إلى طاولة المفاوضات، وعدم تضييع الفرصة، حتى ولو كانت نسبة نجاحها لا تتعدى العشرة في المئة لتعزز هذا الإعتقاد. لذلك يقرأ البعض في تصعيد الحرس الثوري رسالة داخلية أيضاً، مفادها الحاجة للظهور بمظهر القوة أمام الرأي العام الداخلي، وسط حديث عن انقسامات داخلية، وهو ما عززته الرسالة المنسوبة إلى المرشد مجتبى خامنئي، والتي أفردت مساحة أساسية دعت فيها إلى الوحدة. تاريخ
وعلى رغم من ذلك، لا بدّ من الإقرار بأنّ احتمالات الانزلاق في اتجاه الحرب المفتوحة ارتفعت خلال الأيام الماضية. ومع هذا، فإنّ هذا الإتجاه ليس حتمياً بعد في ظل عاملين اثنين: حتى الآن لا تزال الضربات العسكرية الأميركية تستهدف الردع وأهدافاً عسكرية بهدف حماية قواتها، وليس بالضرورة إسقاط النظام القائم. والثاني، أنّ طهران تدرك أيضاً أنّ أي مواجهة عسكرية مباشرة وطويلة ومن دون سقوف مع الولايات المتحدة ستكون باهظة الكلفة عليها. لذلك من المرجح أن تستمر الضربات القاسية ولكن المدروسة، مع وجود مخاطر جدّية وحقيقية لسوء التقدير أو لتكرار أخطاء الميدان، كما حصل في الأردن، وعندها تصبح كل الخيارات مفتوحة. ومع عدم إغفال نيات إسرائيل، حيث يقف نتنياهو متوثباً ومنتظراً أي فرصة للدخول مباشرة على خط إشعال الحرب. وكلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في الأمس كان واضحاً حول ردّ فوري على إيران، في حال تعرّض إسرائيل لهجوم صاروخي «من دون أي ارتباط بعامل آخر وبلا أي شروط». ومن الواضح أنّه يقصد هنا بالتحرك فوراً من دون انتظار ضوء أخضر أميركي. والرسالة واضحة.
وفي تلويحها بإغلاق الممر المائي في باب المندب، تدرك طهران جيداً أنّ الجمع بينه وبين هرمز سيعني إدخال الإقتصاد العالمي في أزمة إمدادات غير مسبوقة، وهي الرسالة التي أرادت توجيهها إلى البيت الأبيض الذي يقف على مسافة ثلاثة أشهر ونصف الشهر من فتح صناديق الإقتراع للإنتخابات النصفية. ويدرك الرئيس الأميركي جيداً، أنّ تدهور الوضع الإقتصادي إلى مستويات كارثية قد ينعكس خسارة تاريخية للحزب الجمهوري في الكونغرس، ما سيؤدي إلى غالبية كبيرة للحزب الديموقراطي، وبالتالي انقضاض هذه الغالبية على دونالد ترامب، وصولاً ربما إلى السعي للتشكيك برئاسته، كما كان لوّح عدد من الديموقراطيين.
ولفت في هذا السياق، إعلان واشنطن عن موافقتها على صفقة أسلحة جديدة للسعودية قيمتها نحو ملياري دولار، وهي تشمل أسلحة فتّاكة عالية الدقة وذخائر مصممة لتنفيذ ضربات دقيقة. وعلى رغم من أنّ مسار الصفقات التسليحية بين واشنطن والرياض قائم على الدوام، إلّا أنّ توقيت الإعلان عن الصفقة الحالية يمنحها دلالات سياسية وعسكرية في ظل التوترات المتجددة في البحر الأحمر، وصولاً إلى مؤشرات انهيار التهدئة في اليمن بعد تبادل الضربات بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والحوثيين حلفاء إيران. وهذا ما يجعل الصفقة وكأنّها جزء من مشهد إقليمي عريض يُعاد فيه رسم موازين الردع. هيئاتتنفيذية
لكن الجديد، في الرسائل الإيرانية إلى دمشق، للمرّة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد. وجاءت هذه الرسائل إثر تكرار كلام ترامب حول تلزيم سوريا للتركيبة العسكرية لـ«حزب الله». وآخر كلام له في هذا السياق جاء إثر لقاء جمعه بالرئيس أحمد الشرع وفي حضور الرئيس التركي أردوغان في أنقرة، على هامش مؤتمر دول حلف «الناتو». وتلا ذلك إعلان دمشق عن اكتشاف تهريب أسلحة وصواريخ إيرانية إلى «حزب الله» جرى تمويهها ضمن صهاريج. وأعلن الحرس الثوري وللمرّة الأولى استهداف «مركز قيادة العمليات الخاصة» التابع للجيش الأميركي في منطقة التنف، وهي النقطة الحدودية التي اشتهرت بسبب وجود قاعدة أميركية سابقاً، وحيث جرى اكتشاف شحنة الأسلحة المهرّبة، وتبع ذلك نفي رسمي سوري لحصول أي استهداف صاروخي، وكذلك لأي وجود لقوات أميركية داخل هذه القاعدة. وجاء إعلان الحرس الثوري عن الإستهداف بعد أقل من 24 ساعة على الإعلان عن إحباط محاولة تهريب الأسلحة. وأهمية ما حصل لم تعد في إثبات حقيقة حصول الهجوم الصاروخي من عدمه، بمقدار ارتباطه بالرسائل السياسية التي سعت طهران إلى توجيهها، وهو ما يعكس تصاعد حال التوتر السياسي بين طهران ودمشق، بعدما كانت طهران تحرص على مداراة السلطة التي جاءت إثر رحيل بشار الأسد. وقد يكون أكثر ما أقلق طهران، تعديل قد تكون أجرته تركيا في سياسة «غض النظر» تجاه التواصل الضعيف القائم بين إيران و«حزب الله»، على مستوى التهريب المحدود والمدروس للسلاح والأموال، خصوصاً بعد موافقة ترامب على تزويدها طائرات الـ F35. وجاء بيان دمشق إثر اكتشاف «صهريج التهريب» ليعزز المخاوف الإيرانية. فلقد صيغ البيان بعبارات حادة وأسلوب عدائي يختلف كلياً عن الأسلوب الذي كان اعتمده وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته إلى بيروت، وتحديداً بعد اجتماعه بالرئيس نبيه بري. وهو أيضاً لا يشبه البيانات السابقة حول وقائع مماثلة، والتي كانت تتمحور حول حادثة أمنية عابرة. بل حمل دلالات تتجاوز الشحنة لتصل إلى الكشف عن محاولات إيرانية لإعادة تعزيز القدرات العسكرية لـ«حزب الله»، وهو ما يتناقض مع الإلتزامات الأمنية. ويرى مراقبون أنّ «صواريخ إيران على التنف» حملت رسالتين: الأولى عنوانها دمشق، ومفادها أنّ أعمالاً مماثلة لن تمرّ دون ردّ وربما بشكل فعلي وأعنف. والثانية إلى «حزب الله»، ومفادها أنّ طهران متمسكة به وباستمرار كل أشكال الدعم له. وهو ما يؤشر إلى استمرار سياسة المواجهة في لبنان. تاريخ
يضع البعض زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للبيت الأبيض في سياق ترتيب المناطق التجريبية في جنوب لبنان. في الواقع ثمة تبسيط في قراءة معاني القمة اللبنانية ـ الأميركية، خصوصاً أنّها أتت في توقيت أميركي مدروس. فاجتماع البيت الأبيض له أبعاد تتجاوز اللحظة الحالية لتلامس المشهد الكامل الجاري رسمه للبنان، والذي يشكّل أحد الأجزاء الأساسية للمشهد الإقليمي الكامل. فخلال الأسابيع الماضية كان لافتاً وفي شكل نافر، تطرّق ترامب باستمرار في كلامه إلى الملف اللبناني. وهو ما لم يحصل منذ فترة بعيدة، وتحديداً منذ إخراج الجيش السوري من لبنان عام 2005. وكما جرى في تلك المرحلة رسم مشهدية نقلت الساحة اللبنانية من ضفة إلى أخرى، فإنّ الملف اللبناني الموضوع على الطاولة الرئاسية الأميركية يؤشر إلى مشروع مستقبلي مشابه. وعلى رغم من ذلك، تبقى مخاطر فشل المشروع قائمة. فالشرق الأوسط يبقى دائماً ساحة المفاجآت. كذلك فإنّ الشواهد التاريخية تلحظ إمكانية «فركشة» القوى الصغرى للمشاريع الكبيرة، ما يجعل هذا الإحتمال قائماً. فالاندفاعة الأميركية تواجهها عقبتان رئيسيتان: المعارضة الإسرائيلية المخفية، والمعارضة الإيرانية عبر «حزب الله» والمعلنة جهاراً. خصوصاً أنّ الساحة اللبنانية تختزن خط تماس عسكري في جنوب لبنان بين طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، وخط تماس سياسي داخلي بين إيران من جهة والولايات المتحدة والسعودية من جهة أخرى على مستوى تركيبة السلطة.
وخلافاً لما تمّ ترويجه (كما دائماً) حول نجاح الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، والتي جرت في روما، فإنّ مسار المفاوضات أظهر تشدداً إسرائيلياً مريباً لا بل تراجعاً عن بعض الإلتزامات. وكان عنوان هذه الجولة وضع الإطار النهائي للمناطق التجريبية، وهو ما لم يحصل. ففي السابق كان الوفد اللبناني وبناءً لرأي قيادة الجيش، قد اشترط تثبيت وقف إطلاق النار وتوسيع المساحة الجغرافية للمنطقة التجريبية لضمان نجاح الخطوة. لكن جولة روما، والتي ترافقت مع رفع مستوى الخروقات والإعتداءات الإسرائيلية بهدف تأكيد مبدأ حرّية الحركة، شهدت تراجعاً إسرائيلياً عن المساحة التي كانت اقترحتها إسرائيل للمنطقة التجريبية. وطلب الوفد الإسرائيلي إخراج منطقة زوطر الشرقية من المنطقة التجريبية المقترحة. وصحيح أنّ الوفد الإسرائيلي لم يعط تبريراً لخطوته، لكن من الواضح أنّ طلبه مرتبط بإبقاء خط التواصل قائماً مع قلعة الشقيف، ما يضمن استمرار التواصل اللوجستي. كذلك تمسكت إسرائيل بمبدأ قيام الجيش اللبناني بتفتيش جميع المنازل السكنية، وهو ما رفضه الوفد اللبناني وقائد الجيش وممثل وليد جنبلاط: لا يمكن إلزام لبنان بخطوات من هذا النوع، والجيش وحده يعرف كيف سيتصرف لاحقاً. صُحف
لاحقاً، سارع الجيش إلى تسيير دورياته في الغندورية وفرون، في رسالة أراد توجيهها للتأكيد أنّ هذه المنطقة خالية أساساً من أي احتلال عسكري إسرائيلي. وانتهت الجولة السادسة بالاتفاق على عقد جولة سابعة خلال الأسبوع الأول من آب ومن دون تحديد المكان.
ولأنّ الخلافات بقيت قائمة بين لبنان وإسرائيل، عمدت واشنطن إلى تأجيل انعقاد جلسة المفاوضات العسكرية. فالخلافات كانت ستظهر، وهو ما كان سيؤدي إلى انعكاسات سلبية قبل القمة اللبنانية ـ الأميركية. لكن الجديد في الموقف العسكري الأميركي، والذي بات أكثر تفهماً لموقف قيادة الجيش، هو ظهور إصرار أميركي على ضرورة حصول انسحاب إسرائيلي واضح، في مقابل تمسك إسرائيلي بتحقيق خطوات ملموسة على مستوى سلاح «حزب الله». ولا شك في أنّ واشنطن تتقاطع مع إسرائيل حول هذه النقطة، لكن إسرائيل تريد أكثر من ذلك، أي المقصود عدم الإنسحاب من لبنان، وهو ما يردّده أعضاء الحكومة الإسرائيلية. كذلك تسعى إسرائيل إلى إبعاد أي جهة رقابية عن الورشة الجنوبية، ربما من أجل إجبار الجيش اللبناني على التواصل والتنسيق المباشر مع الجيش الإسرائيلي، وهو ما ترفضه اليرزة بأي صورة من الصور. لا بل فإنّ إحدى الإشكاليات المطروحة الآن، تبقى في طريقة التصرف في حال تقدّم الجيش إلى منطقة أخلتها إسرائيل، ومن ثم عمدت إلى إدخال دورية لها مجدداً. فالأوامر المعطاة للجيش بعدم الوجود بأي شكل من الأشكال مع الجيش الإسرائيلي ضمن منطقة واحدة. لذلك وافق لبنان على رقابة أميركية واضحة، أو تابعة للأمم المتحدة، أو إيطالية أو بريطانية أو أوروبية. لكن الرفض الإسرائيلي بقي قائماً. وفي سياق عودة التواصل القوي بين قيادة الجيش اللبناني و«سينتكوم»، وهو ما يؤشر إلى التفهم الأميركي للجيش اللبناني. فمن المتوقع أن تعلن واشنطن في ختام زيارة الرئيس عون، عن حزمة مساعدات مالية بقيمة 150 مليون دولار، وهو ما يشكّل إشارة واضحة إلى الدعم الأميركي للجيش اللبناني. وسيأتي ذلك في إطار اجتماع البيت الأبيض الذي سيتطرّق إلى الدور الكبير الذي ينتظر الجيش جنوباً، كما عند الحدود اللبنانية ـ السورية، وحيث سيبدي عون أمام ترامب رفض لبنان لأي شكل من أشكال التدخّل العسكري السوري في الشؤون الداخلية. مع الإشارة هنا إلى أنّ التنسيق قائم ويومي بين اليرزة، من خلال «مكتب التنسيق العسكري» برئاسة العميد ميشال بطرس، والقيادة العسكرية السورية. تاريخ
ووفق ما تقدّم، فإنّ الألغام الإسرائيلية لتفجير الإتفاق تبدو متعددة، في موازاة رفض «حزب الله» الصريح له. ووصلت معلومات إلى بيروت تشير إلى أنّ إسرائيل ومع بدء التصعيد في الخليج، عرضت على واشنطن الدخول على خط التصعيد العسكري. وفهمت واشنطن فوراً أنّ الهدف الإسرائيلي ليس إيران بمقدار ما هو استئناف القتال في جنوب لبنان. فنتنياهو يريد حيازة أوراق إنتخابية عبر رفع الضغط العسكري على تلة علي الطاهر وصولاً الى جبل الريحان فسحمر ويحمر. وهو ما يؤشر إلى أنّ نيات التصعيد العسكري الإسرائيلي قائمة عند كل لحظة. ونتنياهو يربط بين أي انسحاب بما يعتبره ضمانات أمنية، تقضي بإنهاء أي بنية عسكرية لـ«حزب الله» في هذه المناطق.
واستطراداً، فإنّ الضغط الأميركي لتحقيق المشروع الذي تعمل له، يواجهه رفض إسرائيلي خفي، ولكنه فعّال، ومعارضة إيرانية قوية وهي التي باتت تتمسك بما تبقّى لها من أوراق إقليمية، والتي يبقى أهمها على الإطلاق الورقة العسكرية لحزب الله. وثمة عوامل إقليمية تزيد من عوامل التصعيد، أولها التوتر الحربي المتصاعد مع إيران، في ظل تشدّد الحرس الثوري وسعيه لاستخدام كافة أوراقه. كذلك فإنّ نتنياهو يرى في التشدّد الأمني فرصة سياسية لالتقاط أوراق سياسية وانتخابية رابحة. هيئاتتنفيذية
وهو ما يعني في المحصلة، أنّ فرص التفاؤل قد لا تبدو كبيرة ولو أنّها باتت موجودة.
---------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / إسرائيل تفخّخ والحزب يرفض
2026-07-20





