الرئيسية / أخبار لبنان /الصحة النفسية /الإجازة المرضيّة «النفسية» حق الموظف

جريدة صيدونيانيوز.نت / الإجازة المرضيّة «النفسية» حق الموظف

الإجازة المرضيّة «النفسية» حق الموظف

 

جريدة صيدونيانيوز.نت       

 

ما أن نسأل موظفاً عن إمكان حصوله على إجازة مرضية لأسباب صحيّة نفسيّة، حتى يبادرنا بضحكة ساخرة، وكأن الموضوع غير ممكن أو كأن الجانب النفسي ثانوي لا يؤخذ على محمل الجد. أمّا أصحاب المؤسسات الذين من واجبهم توعية الموظف على حقوقه، فيبدو أن معظمهم لا يشجعون الأمر، «كلنا نعاني من اضطرابات نفسية، وإذا اعترفنا بها لن نذهب إلى عملنا»، تقول صاحبة إحدى المؤسسات سائلة باستغراب: «هل يوجد شيء كهذا في قانون العمل؟ ومن ثم أي موظف يمكن أن يخبر مديره بأنه يعاني من اضطرابات نفسية، الأمر ليس بهذه البساطة».

 

طبعا الأمر ليس بهذه البساطة، لكن ما لا يعرفه كثر أن حق الإجازة المرضية لأسباب نفسيّة مصان في قانون العمل اللبناني، وأنّ الاعتراف بأهمية الصحة النفسية بات أساسياً في معظم بلدان العالم.

 

 القانون يسمح

 

لم يحدّد قانون العمل في لبنان نوع أو طبيعة الإجازة المرضية، ما يجيز للموظف التغيب عن العمل لأسباب مرضية نفسية. وفي هذا الإطار، يقول المحامي سامر حمدان: «يكفل قانون العمل اللبناني حق الأجير بالإجازة المرضية، لا سيما في المادة 40 منه وما يليها، إذ أشارت هذه المادة إلى أنه إذا أصيب الأجير بمرض غير الأمراض الناجمة عن خدمته وحوادث العمل المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي رقم 25 تاريخ 4 أيار(مايو)، له الحق بإجازة مرضية تحدد على عدد سنوات العمل».

 

ويوضح حمدان أن الإجازات المرضية تُعطى بناء على تقرير من الطبيب الذي عالج الأجير أو من طبيب المؤسسة، (وفقاً للمادة 41 من القانون المذكور)، ويمكن أن يكون هذا التقرير من المعالج النفسي، قائلاً: «لم يحدد القانون الداعم لحقوق الإجراء نوع المرض وطبيعته، ما يسمح للأجير التذرّع بالأمراض النفسية، إن وردت في تقرير طبي واضح. فلا شيء يمنعه من إثبات مرضه النفسي بتقرير طبي والحصول على الإجازة المنصوص عليها».

 

ويضيف حمدان أنّه حتى لو لم تُذكر «الإجازة المرضية النفسية في شكل صريح في القانون، تبقى حقاً مصاناً، موضحاً: «وخير دليل على ما تقدّم، هو اعتراف القوانين اللبنانية بالجانب النفسي والمعنوي عموماً، وذلك في الجوانب المدنية والجزائية أيضاً، إلى حدود قد تمنع العقاب عن مرتكب الجريمة، أو التخفيف من العقوبة المقررة. واستئناساً بذلك، لا شيء يمنع من التمسّك بالمرض النفسي وعدم إنكاره، أو حتى اعتباره سبباً بسيطاً لا يمكن للأجير التمسّك به، فالإجازة المرضية جزء لا يتجزأ من حقوقه المكرسّة في قانون العمل».

 

وفي هذا السياق، تقتضي الإشارة إلى أن التشريع الوحيد في القانون اللبناني الذي يتناول تحديداً علاج الأشخاص المصابين بأمراض وحالات نفسية، هو المرسوم الاشتراعي الرقم 72 الصادر في 9 أيلول (سبتمبر) 1983 لرعاية المرضى العقليين وعلاجهم وحمايتهم، إضافة إلى وجود مشروع قانون للصحة النفسية، أعدّته جمعية «إدراك» غير الحكومية في عام 2014، ويتناول جوانب قضايا العمل، وأهمية ذكر الأمراض النفسية لحماية الأجير وعدم تعسّف رب العمل في التعامل معها.

 

ويرى حمدان أنّه على الموظف أن يعرف حقوقه المصانة بقانون العمل «فعلى رغم عدم وضوح النص حيال الأمراض النفسية، إلا أن لا شيء يمنع الأجير من طلب إجازة مرضية بسبب أمراض نفسية أو حالات مضطربة في حال ثبتت، تحت طائلة اعتبار صرفه من العمل لهذا السبب، صرفاً تعسفياً وإخلالاً من قبل رب العمل بنصوص قانون العمل».

 

وأضاف حمدان أن المشكلة هي مشكلة المعرفة بالقانون والثقة به، ناصحاً الأجراء «الثقة بقانون العمل العادل إلى حد ما، وبعدالة مجالس العمل التحكيمية، التي تدعم الأجير وتكفل حقوقه، وعدم السكوت عن حقه أو الخجل من أمراضه النفسية».

 

مع «وصمة عار»

 

إنّ تقديم إجازة مرضيّة نفسيّة ليس بالأمر السهل على أي موظف، فبعد هذه الإجازة ليس كما قبلها، لأن أي خطأ أو تصرّف بعد ذلك سيأتي مع نظرة شفقة بأفضل الأحوال، أو مع وصمة معيّنة تزعج الموظف. الموضوع لا يرتبط فقط بقانونيّة هذه الإجازة بل بوعي مجتمع بكامله بأهمية الجانب النفسي، هذا ما نسمعه من الموظفين، وهذا ما يؤكّد عليه الخبراء في مجال الصحة النفسية.

 

وفي هذا الإطار، تقول المعالجة النفسية ميا عطوي، إحدى مؤسّسي الجمعية الخيرية «Embrace» التي تعمل في مجال دعم ونشر الوعي حول الصحة النفسية في لبنان والمنطقة ونشره، أن «شخصاً من كل أربعة أشخاص يعاني في فترة من حياته من مرض نفسي في لبنان. لكنّ شخصاً واحداً من أصل ١٠ يلجأ إلى العلاج في الوقت المحدد»، وهذا ما يدفعنا إلى السؤال عن الوعي بهذا المرض ومن ثم الاعتراف به، وهذا ما يؤكّد أيضاً أهمية الأجازة المرضية النفسية و «التي يجب أن تُعامل مثلها مثل أي إجازة مرضية أخرى».

 

وتضيف عطوي: «إن السبب الرئيس لعدم زيارة المعالج أو الطبيب النفسي هو عدم المعرفة بعوارض هذا المرض والحاجة إلى العلاج، إضافة إلى الوصمة التي تلحق بالمرض النفسي، ومن هنا يجب البدء».

 

حالة ليست حجّة

 

«إذا أخذنا الجانب النفسي على محمل الجد، وسمح بتقديم إجازة مرضية نفسية لن يبقى أحد في عمله، كلنا مرضى، كلنا نعاني من اضطرابات نفسية، من يحدّد المرض النفسي؟ سيتحول الأمر إلى حجّة للتغيب»، هذا ما تقوله منى، وهي أم لثلاثة أطفال وموظفة إدارية في إحدى المؤسسات.

 

وهذا ما لا توافق عليه عطوي التي تؤكّد أنّ هناك تعريفاً واضحاً للمرض النفسي الذي يؤثر سلباً في حياة الشخص، بما في ذلك التأثير الواضح على مجال واحد أو أكثر بحياته كالعمل أو الدراسة أو الحياة الشخصية والعائلية.

 

كلفة الإهمال أكبر

 

مهما بلغت كلفة الإجازات المرضية النفسية على أصحاب المؤسسات ومن ثم على المجتمع، فإنّها بلا أدنى شكّ، تبقى أقل بكثير من كلفة إهمال الجانب النفسي وعدم الاعتراف به. وفي هذا الإطار تقول عطوي: «إن إهمال الجانب النفسي يؤدّي إلى تفاقم المرض النفسي، ووصوله إلى مراحل متقدّمة قد تؤدّي في أحيان كثيرة إلى عدم قدرة الشخص على الإنتاج وأحياناً إلى الانتحار. وهنا لا تتأثر عائلة المريض فقط، لكن المجتمع بكامله الذي يخسر أشخاصاً كانوا منتجين وفعّالين فيه. أشخاص قدّموا الكثير لكن بسبب عدم الوعي بالمرض النفسي ووصمة العار التي ترافق الاعتراف به، وعدم الوصول الى العلاجات الفعالة، فقدوا القدرة على الاستمرار بالحياة»

 

وفضلاً عن غياب الوعي بالجانب النفسي والذي بدوره يرتبط بوصمة العار التي ترافق الاعتراف بالمرض النفسي، تشير عطوي إلى ارتفاع كلفة العلاج، لا سيّما في العيادات الخاصة، موضحة أنّ «وزارة الصحة والضمان الاجتماعي يغطيان بعض تكاليف الدواء ودخول المستشفى، لكن أسرّة الضمان والوزارة قليلة جدا لهذه الحالات، وكلفة ليلة واحدة في مستشفى خاص لا تقل عن ٣٠٠ دولار».

 

وفي هذا الإطار، أوضحت عطوي أنه بسبب ارتفاع كلفة العلاج، تجمع «Embrace» التبرّعات لتمويل العناية بالمرضى، وتكفّلت الجمعية خلال السنوات الأخيرة بتغطية علاج 32 شخصاً لا يمكنهم تحمّل أعبائه. وخصصت خطاً ساخناً لطلب المساعدة والوقاية من الانتحار، الذي يُعتبر بكل أسف أحد نتائج تفاقم المرض النفسي بسبب إهمال هذا الجانب وعدم انتشار الوعي.

 

 بيروت - إيناس شري

2017-11-30




الوادي الأخضر