https://sidonianews.net/article337194 /القضاء حين يستعيد هيبته: دفاعاً عن منطق الدولة
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / القضاء حين يستعيد هيبته: دفاعاً عن منطق الدولة

 

Sidonianews.net

-----------------------

الجمهورية / شربل البيسري

في بلدٍ اعتاد أن يحاكم القضاء قبل أن يقرأ قراراته، يصبح تطبيق القانون شجاعة. وفي بلدٍ صار فيه كل فريق يريد عدالته الخاصة، يصبح القاضي الذي يجرؤ على الفصل بين الانفعال والجرم، وبين الرأي والتحريض، عنواناً لمعركة أكبر من ملف إعلامي عابر.

قرار مدّعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج في ملف شاشة LBCI لم يكن قراراً تفصيلياً في نزاع إعلامي. كان امتحاناً مبكراً لمنطق الدولة، امتحاناً لفكرة بسيطة وخطيرة في آنٍ واحد: هل نريد قضاءً يطبّق القانون، أم قضاءً يخضع للشارع والضجيج والتهديد والبيانات؟

القاضي الحاج، لم يختَر الطريق السهل. الطريق السهل كان أن يساير الغضب. أن يُرضي هذا الفريق أو ذاك. أن يوازن سياسياً بين الحساسيات، ولو على حساب القانون. لكنّه اختار ما يجب أن يختاره كل قاضٍ مستقل: قراءة الوقائع، تحديد المسؤوليات، والتمييز بين المؤسسة الإعلامية كمنبر، وبين الأفراد الذين قد يرتكبون أفعالاً تستوجب الملاحقة.

هنا جوهر المسألة. القانون لا يُطبَّق بالجملة. ولا تُوزَّع المسؤولية على أساس الانتماء أو الهوية أو حجم الضجيج. لا يجوز أن تصبح المؤسسة الإعلامية متهمة حكماً فقط، لأنّها بثّت مادة أثارت نقاشاً. ولا يجوز في المقابل أن تمرّ الإساءات الشخصية أو الدينية أو التحريضية بلا محاسبة، تحت شعار الردّ أو الغضب أو الدفاع عن الكرامات.

العدالة ليست انتقاماً، وليست تسوية، وليست سلاحاً بيد فريق ضدّ فريق. العدالة هي أن يُسأل كل شخص عن فعله المحدَّد، لا عن بيئته، لا عن جمهوره، لا عن خصومه، ولا عن الجهة التي يكرهها أو يؤيّدها.

من هذه الزاوية، يبدو القرار أقرب إلى منطق الدولة منه إلى منطق الاصطفاف. فهو لا يقول إنّ الإعلام فوق القانون، ولا يقول إنّ المقامات الدينية فوق النقد العام، ولا يقول إنّ الردود العنيفة مباحة. بل يقول إنّ هناك فرقاً بين التعبير السياسي، ولو كان قاسياً، وبين الإساءة والتحريض واستهداف السلم الأهلي. وهذا الفرق هو ما تحتاجه الدولة اللبنانية اليوم.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً حين تحوّل القانون إلى وجهة نظر. كل جماعة صارت تطلب محاسبة خصومها وتبرير أفعال محازبيها. كل حزب صار يريد قضاءً على صورته. كل شارع صار يعتبر نفسه محكمة. والنتيجة معروفة: تفلّت من العقاب، ضعف في الدولة، انهيار في الثقة، وجرأة متزايدة على المؤسسات.

من هنا تأتي أهمية المرحلة الجديدة التي يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تثبيتها: إعادة ترميم منطق الدولة، لا دولة الشعارات، بل دولة القرار. دولة القانون لا دولة المساومات. دولة المؤسسات لا دولة الغلبة. دولة يستطيع فيها القاضي أن يوقّع قراره من دون أن يحسب عدد التغريدات ضدّه، أو حجم الضغط السياسي عليه، أو احتمال التشهير به في اليوم التالي.

استقلال القضاء لا يعني أن تعجبنا كل قراراته. ولا يعني أنّ القاضي فوق النقد. لكنّه يعني أن يُناقَش القرار بمنطق القانون، لا بمنطق التخوين. وأن يُحاسَب القاضي إذا خالف القانون، لا إذا رفض الانصياع للرغبات السياسية. وأن تُصان النيابة العامة التمييزية من التحوُّل إلى مكتب شكاوى للزعامات والشارع والمنصات.

القاضي رامي الحاج، في هذا الملف، وضع معياراً يجب البناء عليه: لا حصانة للإساءة. لا ملاحقة بلا أساس. لا رضوخ للضغط. ولا عدالة انتقائية. هذه ليست معادلة ضدّ أحد. هذه معادلة لمصلحة الجميع. لأنّ القضاء الضعيف لا يحمي أحداً في النهاية. والقضاء الخاضع اليوم لفريق، قد يخضع غداً لفريق آخر.

لبنان لا يحتاج إلى قضاة يفتشون عن التصفيق. يحتاج إلى قضاة يثبتون أنّ القانون ما زال ممكناً. يحتاج إلى قرارات تقول للناس إنّ الدولة ليست فكرة ميتة. وإنّ المؤسسات تستطيع أن تنهض. وإنّ العدالة لا تُدار من الشارع، ولا من الشاشات، ولا من الغرف السياسية المغلقة.

المعركة الحقيقية ليست بين LBCI وخصومها. ولا بين فريق يدافع عن البطريرك وفريق يهاجم القرار. المعركة هي بين مَن يريد دولة، ومَن يريد قانوناً على قياسه.

وفي هذه المعركة، يجب أن يكون القضاء في الصف الأول، لا كطرف سياسي، بل كسلطة، كميزان، كحدّ فاصل بين الفوضى والدولة.

لذلك، الدفاع عن قرار القاضي الحاج ليس دفاعاً عن شخص. إنّه دفاع عن مبدأ، عن دولة تحاول أن تعود، عن قضاء يحاول أن يتنفّس، وعن لبنان لا يمكن أن ينهض ما لم يفهم الجميع، أنّ العدالة ليست ملكاً لأحد، وأنّ القانون لا يُفاوض عليه.

--------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / القضاء حين يستعيد هيبته: دفاعاً عن منطق الدولة

 

 

 

 


www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://sidonianews.net/article337194 /القضاء حين يستعيد هيبته: دفاعاً عن منطق الدولة