https://sidonianews.net/article338623 /بالصور: نشيد الصنوبر من إيطاليا إلى لبنان ! معرض يجمع لوحات الروّاد والأعمال المعاصرة
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / بالصور: نشيد الصنوبر من إيطاليا إلى لبنان ! معرض يجمع لوحات الروّاد والأعمال المعاصرة

Sidonianews.net

----------------------

الأخبار  /  ريما النخل

في معرض «أصداء الوجود»، تتحوّل شجرة الصنوبر إلى لغة بصرية تجمع لبنان وإيطاليا، وتفتح حواراً بين الذاكرة والأسطورة والطبيعة. من إنزو كوكي وجيلبير الحلبي إلى روّاد الفن اللبناني، يقدّم المعرض رحلة تقارن أساليب رسم الشجرة والمنظر الطبيعي، وتكشف كيف يصبح العنصر الواحد عالماً من الرؤى والتأويلات

تعزيزاً للحوار الفني بين لبنان وإيطاليا، افتُتح معرض تشكيليّ تحت عنوان «أصداء الوجود» في «جناح نهاد السعيد للثقافة » داخل المتحف الوطني في بيروت. يتمحور المعرض الذي تولّت تقييمه الفني مورييل الأسمر، حول شجرة الصنوبر كرمز مشترك متجذّر عميقاً في كلّ من إيطاليا ولبنان، ويجمع أعمال الفنان الإيطالي إنزو كوكي والفنان اللبناني جيلبير الحلبي الذي يعيش في روما منذ ثلاثة وعشرين عاماً.

ولإكمال تيمة المعرض، اختيرت لوحات لروّاد في الفن التشكيلي اللبناني رسموا الشجرة والمنظر الطبيعي اللبناني (من تقديم غاليري صالح بركات)، من بينهم حبيب سرور، وعمر الأنسي، ومصطفى فروخ، ورشيد وهبي، وقيصر الجميل، وخليل زغيب، وعارف الريس، وصليبا الدويهي، وعبد الحميد بعلبكي وآخرون.

إنزو كوكي. «من دون عنوان ». 2023. قلم رصاص، وحبر، وفحم على ورق، 32 × 21 سم

وأسهمت وحدات الكارابينييري الإيطالية للغابات والبيئة والقطاع الزراعي-الغذائي في إضفاء لمسة بيئية على المعرض، من خلال عشر منحوتات خشبية من أنواع أشجار إيطالية متنوّعة، وبمحاذاتها ألواح تعريفية تسلّط الضوء على المهمة الحيوية لحراس الغابات في حفظ الثروة الحرجية والتنوع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية، مع التأكيد على الحاجة الملحّة إلى حماية التراث المشترك اللبناني- الإيطالي.

إنزو كوكي... شاعر الأسطورة والرمز

ثلاثة طوابق في جناح نهاد السعيد مُلئت باللوحات والمنحوتات. في الطابق الأول جدار كامل للوحات الفنان الإيطالي إنزو كوكي، (مواليد 1949) يضمّ رسوماً أوّلية، تحيط بها منحوتتان. وتتميّز أعمال كوكي بمعجم رمزي، ذاتي عميق، متجذّر في المناظر الطبيعية والأسطورة والذاكرة، فهو غالباً ما يستلهم الأساطير والتقاليد الشعبية لمنطقة ماركي، مسقط رأسه، فتدخل رسومه الطبيعية في حوار مع العالم المعاصر من خلال الرموز المتكررة في لوحاته.

كما أنّ الشعر عنصر حاضر وأساسيّ في أعماله التشكيلية، إذ انجذب قبل الرسم إلى الشعر ونشر عدداً من قصائده في مجلات إيطالية، قبل أن ينتقل الى روما ويتفرّغ كلّياً للفنون البصرية وتلفت ‏أعماله الأنظار ويشارك في معارض جماعية، ثم يقيم معارض فردية حول العالم. حتى إنّ أعمالاً له عُرضت ضمن مجموعات متحف الفن الحديث في نيويورك، وفي «تيت مودرن» في لندن، و«مركز بومبيدو» في باريس، والمتحف الوطني لفنون القرن الحادي والعشرين في روما.

 

مصطفى فروخ (لبنان، 1901–1957). «من دون عنوان» نحو 1950. زيت على قماش

ويُعدّ كوكي اليوم شخصية محورية في حركة ما وراء الطليعة الفنية الإيطالية في ثمانينيات القرن العشرين، ووُصف بأنه رسام يحرّك ريشته مثل عصا ساحر. وقد ظهر في لحظة كان ابتعد فيها الفن الغربي كثيراً عن الرسم التقليدي نحو الفن المفاهيمي والتجهيز. ويمكن وصف لغته بأنها تعبيرية جديدة، إنما أكثر تعقيداً من مجرّد تشويه الأشكال أو المبالغة في الانفعال، فهو يجمع كما نرى في لوحاته هنا الرسم إلى الرسم التخطيطي والكولاج والكتابة والخامات المتنوّعة، جاعلاً أعماله متنقّلة بين الواقعي والمُتخيّل والحلمي. عالمه رمزي غريب، مشحون بالرموز والأساطير والعناصر الكثيرة كالجماجم والخيول والعظام والأشجار والجبال والقبور والحيوانات والأجساد والقطارات والسفن، بيد أنه لا يقدّمها كرموز ذات معنى (هذا واضح في ما نشاهد من أعماله في المعرض) يمكن فكّ رموزها بسهولة، بل يربطها بعلاقات غامضة.

أمّا الطبيعة عنده فليست «منظراً طبيعياً»، والجبل ليس جبلاً بالضرورة، والشجرة ليست شجرة بالتأكيد، فالطبيعة الإيطالية، خصوصاً في منطقة ماركي على الأدرياتيكي، حيث ينتمي، تركت أثراً واضحاً في مفردات لوحاته. هو يعيد تركيبها داخل عالم غريب يجمع بين الأسطورة والحياة اليومية والتاريخ. وإذ تظهر في أعماله كلمات وعبارات ونصوص شعرية، ينبغي عدم قراءة لوحته من خلال الصورة وحدها، فالصورة عنده تشبه بيتاً شعرياً مفتوحاً على تأويلات متعدّدة. الرسم والنحت وسيلتاه لإخراج عالمه الداخلي واللاواعي إلى الخارج.

‏يعيد كوكي بناء العالم من بقايا الذاكرة والأسطورة والحلم، مُستخدِماً الرسم التعبيري والرموز البدائية والصور الشعبية، بحيث تتحوّل الطبيعة والتاريخ والجسد إلى مسرح غامض للصراع بين الحياة والموت. قراءة لوحاته فعل لا يخلو من مشقّة وتعقيد.

جيلبير الحلبي... الصنوبرة بوصفها ذاكرة

جيلبير الحلبي لا يقلّ غموضاً عن زميله إنزو كوكي، فمواضيعه كلّها تتحوّل في لوحاته إلى عالم شخصيّ، مهما تعدّدت وسائله بين زيت وألوان مائية. وقد ارتبط اسمه بعالم روما حيث يعيش ويعمل منذ أكثر من عقدين، ويدير «بيت الحلبي» الذي يجمع بين الفن والتصميم والأعمال الحرفية.

خليل زغيب (لبنان، 1911–1975). «من دون عنوان». نحو 1960. زيت على لوح ماسونيت. 60 × 80 سم

وتبدو شجرة الصنوبر ذات أهمية خاصة له، كونه ابن قرية ضهور الشوير المتنية العالية والغنية بغابات الصنوبر أو ما بقي منها. الشجرة لديه ليست مجرّد عنصر في منظر طبيعي، بل هي رمز للذاكرة والحنين. من هنا، فإن الطبيعة عند الحلبي لا تنتمي إلى المنظر الطبيعي التقليدي بقدر انتمائها إلى الذاكرة.

وما يربطه بزميله الإيطالي كوكي أن كليهما يستطيع أن ينتزع عنصراً طبيعياً من سياقه الواقعي ويهبه قوة رمزية. وفي حين يدفعه كوكي نحو الأسطورة واللاوعي والموت، يميل الحلبي إلى الذاكرة والمكان والحنين. جيلبير ذو حساسية متوسطية، يمزج بين الرسم والتصميم والحرفة، محوّلاً عناصر الطبيعة والأشياء اليومية إلى صور حميمة مُشبعة بالذاكرة، فيمسي المكان عنده فضاءً نفسياً أكثر منه منظراً واقعياً.

روّاد لبنان... الطبيعة بعيون مختلفة

ملامح الحداثة في أعمال الحلبي وكوكي لا تحجب عظمة الريادة لدى الفنانين اللبنانيين الكبار الذين عُلّقت أعمال لهم ذات صلة بالطبيعة والشجرة. إن كان ثمة ما يغري حقاً بزيارة المعرض هو أنه يتيح لزوّاره إعادة اكتشاف لوحات هؤلاء الكبار وتنوّع أساليبهم في رسم الطبيعة اللبنانية، فعمر الأنسي رسم بطريقة يمكن وصفها بالشعرية والصافية، ساعياً إلى التقاط روح المكان وضوئه بألوانه المائية الشفّافة، جاعلاً الضوء جزءاً من بنية المنظر، بحيث تبدو السماء والجبال والأشجار والبيوت كأنها تتنفّس من فضاء واحد، متآلفة في تكوين بسيط ومتوازن.

الأشجار لدى عبد الحميد بعلبكي مرتبطة بالتهجير والأرض

تبدو الطبيعة لديه مُشبعة بالسكينة والتأمل، بينما رسم قيصر الجميل الطبيعة والشجر بحيوية حسّية أقل هدوءاً وشفافية من طبيعة عمر الأنسي، فعنده لا تبدو الطبيعة مجرّد موضوع للرصد المباشر، بل يميل إلى إعادة بنائها بإيقاع زخرفيّ. تتخذ الأشجار لديه حضوراً قوياً بكتلها وأغصانها وأوراقها. أمّا رشيد وهبي فله علاقة أكثر مباشرة بالضوء واللون ولا تكون الشجرة دائماً كتلة صلبة محدّدة الحواف، بل تذوب في محيطها الطبيعي، وهذا يجعل وهبي أقرب إلى الأسلوب الانطباعي في معالجة المنظر، فاللون يتبدّل تبعاً للضوء، وتتبادل السماء والجبال والأشجار التأثير. إذا كان الأنسي يبحث عن صفاء المشهد، فإن وهبي يبحث أكثر عن نبض المشهد الضوئي.

من الأنسي إلى البابا... اختلاف الرؤية ووحدة المكان

‏أمّا حبيب سرور، أحد رواد الفن التشكيلي اللبناني، فإن تعامله مع الطبيعة يرتبط بالتقاليد الأكاديمية والواقعية. لذلك، يعتني كثيراً ببناء التفاصيل والأشكال، وتبدو الشجرة عنده غالباً محدّدة في فضاء واقعي وذي حضور مادي. الطبيعة بالنسبة إلى سرور ليست مجرّد إحساس أو انطباع، بل هي عالم ذو بنية محسوسة.

يرسم سرور «بنية الطبيعة» وينحو مصطفى فروخ بدوره إلى رسم الطبيعة اللبنانية كصورة «وطنية» مثالية، فهو الفنان الأكثر ارتباطاً بفكرة لبنان الطبيعي كهوية بصرية. وكان فروخ يجوب الجبل والساحل والريف ليعيد صوغ صورة لبنان الجميل والمُشرِق والمتوازن، والشجرة عنده واضحة البنية، قوية الجذع، جزء من مشهد أوسع يوحي بالرسوخ.

وعلى عكسه، يرتبط المنظر الطبيعي لدى الفنان وهيب بتدّيني باللون والانفعال الحسي، فتهمّه الشجرة ككتلة خضراء وعلاقتها بالضوء أكثر من الوصف الدقيق لعناصرها. لذا تبدو الأشجار في لوحته أقرب إلى مساحات لونية نابضة، ما يجعل الطبيعة أكثر شاعرية وأقل صرامة أكاديمية. أمّا الطبيعة عند الفنان توفيق البابا، فتتحوّل إلى مادة تعبيرية تخضع لحساسية الفنان الخاصة، فالمهم ليس كيف تبدو الشجرة وسط الطبيعة بل ماذا تفعل داخل اللوحة.

من التجريد إلى الذاكرة... تحوّلات الشجرة في اللوحة

‏ بالانتقال إلى لوحة الفنان إلياس أبو رزق، فإن الطبيعة تبدو كثافة لونية وذاكرة مكان، محوراً بصرياً يفرض حضوره على سطح اللوحة حيث تتشابك الأغصان وترتسم العلاقة بين الخضرة والأرض والسماء. الطبيعة في عالمه التشكيلي ذاكرة جغرافية في حين أن أعمال خليل زغيب تشكّل حالة خاصة جداً، فهو ليس رسام طبيعة بالمعنى التقليدي. عالمه التشكيلي يقوم على التبسيط والبراءة الظاهرية وإعادة ابتكار الواقع. شجرته مرسومة كما تستعيدها المُخيّلة الشعبية، أي كما تحضر صورتها في ذاكرة الإنسان أكثر مما تبدو أمام عينيه.

أمّا عارف الريس، فيختلف عالمه الطبيعي جذرياً عن كل زملائه، فالطبيعة لديه ليست موضوعاً ثابتاً بل قوة تتحوّل وتنفجر وتتداخل مع الإنسان.

فالريس الذي مرّ بتجارب فنية رمزية وسوريالية وتعبيرية، لم يستقر على أسلوب واحد، بل ارتبطت تجربته بالبحث عن الإنسان والأرض والوجود، وعن علاقة الشكل باللون والحركة. لذا قد تصبح الشجرة في لوحته جذراً أو جسداً أو علامة للحياة والموت أو جزءاً من بنية كونية. الطبيعة لديه حالة دائمة من التحوّل.

حبيب سرور (لبنان، 1860–1938). «من دون عنوان». غير مؤرّخة. زيت على قماش، 65 × 90 سم

‏ صليبا الدويهي رسم الطبيعة كما هي «من دون تشويه» بحسب تعبيره، لكنّه تخلّى مع الوقت عن هذا التعريف الصارم ليختزل المنظر إلى مساحات لونية صافية، بحيث انتقل من المشهد الطبيعي إلى مسطحات لونية تضمحلّ فيها التفاصيل والمنظور التقليدي. ومثّلت الشجرة محوراً في لوحاته، فتحوّلت من شجرة حقيقية في المرحلة الأولى إلى كتلة فلون في المرحلة الثانية، ليتلاشى حضورها كشجرة وتصير جزءاً من تنويعات الطبيعة.

يذهب الدويهي في المرحلة المتقدّمة من التجريد بحثاً عن جوهر الطبيعة وليس قطع الصلة بها، وقد عُرف عنه أنه حوّل الطبيعة اللبنانية إلى مختبر للحداثة والتجريد. معه لم تبقَ الطبيعة «شيئاً» ماثلاً أمام الفنان ليرسمه، بل أضحت لغة بذاتها يبني بها الفنان مفردات لوحته. وهذا ما يفسّر كيف استطاع صليبا الدويهي الانتقال من مناظر إهدن وقاديشا إلى التجريد الهندسي واللوني من دون أن يضيع في نهاية المطاف ذاك الإحساس العميق بأن ما نراه في لوحته، ومهما بلغ من التجريد، هو لبنان بطبيعته التي تحوّلت إلى لون وشكل. ‏مع لوحة سامية عسيران جنبلاط، نحن أمام تجربة شديدة الخصوصية.

جعلت هذه الفنانة الأشجار والزهور والنباتات مادة أساسية لعالمها التشكيلي، من دون تحويل الطبيعة إلى مجرد منظر طبيعي، بل إلى عالم داخلي، شاعري، صوفي، حالم، تتقاطع فيه أساليب عديدة. بينما يحوّل الفنان عبد الحميد بعلبكي الشجرة إلى رمز إنسانيّ ووجوديّ، تتحوّل الشجرة اليابسة أو المُحترِقة إلى فضاء طبيعي تراجيدي. الأشجار في لوحته مرتبطة بالتهجير والأرض. تشهد الشجرة على جرح الأرض على عكس الفنان بوريس نوفيكوف، الروسي الأصل اللبناني الإقامة، الذي ترتبط تجربته مباشرة بالمنظر اللبناني وبالأسلوب الانطباعي منذ ستينيات قرن الماضي. لم يتعامل مع الشجرة والطبيعة بكونهما هوية وطنية، إذ لم يكن هذا شأنه كأجنبي، بل بوصفهما مشهداً بصرياً غنياً بالضوء واللون.

ونختم مشاهداتنا بلوحة فيرا ييراميان التي تبدو الطبيعة فيها أقرب إلى المجال الحميمي والوجداني، فضاء يتداخل فيه اللون والذاكرة والمزاج. هنا تغدو الحديقة «داخلية» مُلتصِقة بإحساس الفنانة الحميم بالمنزل والمكان.

ميزة هذا المعرض الأساسية تكمن في تلك النظرة المقارنة إلى الأساليب والرؤى المتنوعة عند رسم الطبيعة والشجرة، فالفن يبلغ درجة من درجات كماله بالتنوّع وتعدّد المقاربات التشكيلية للمنظر الطبيعي، فكيف حين يكون هذا التنوّع والغنى من صنع الروّاد؟

* «أصداء الوجود»: حتى 21 تشرين الأول (أكتوبر) ـ جناح نهاد السعيد للثقافة– المتحف الوطني في بيروت ــ للاستعلام: 01614038-79013099

----------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / نشيد الصنوبر من إيطاليا إلى لبنان ! معرض يجمع لوحات الروّاد والأعمال المعاصرة

 

 

 

 


www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://sidonianews.net/article338623 /بالصور: نشيد الصنوبر من إيطاليا إلى لبنان ! معرض يجمع لوحات الروّاد والأعمال المعاصرة