جريدة صيدونيانيوز.نت / النائب د. عبدالرحمن البزري يكتب: لبنان بين إعادة تكوين الدولة وعروبته.. الطائف طريق المستقبل
Sidonianews.net
---------------------
كتب: محرر / الوطن
لم يكن لبنان يوماً مجرد دولة صغيرة على شاطئ المتوسط، بل كان دولة عربية عريقة وعضواً مؤسساً فى جامعة الدول العربية، ونموذجاً فريداً فى التعددية والانفتاح والعيش المشترك. ومنذ نشأته، شكّل جسراً بين الشرق والغرب، ومنبراً للفكر والثقافة، ومركزاً للإبداع والحرية، فيما كانت عروبته ركيزة أساسية فى هويته الوطنية وخياراته السياسية، وليست مجرد انتماء جغرافى أو توصيف دستورى.
لقد ارتبط ازدهار لبنان، عبر تاريخه، بعمقه العربى. فالعلاقة مع الأشقاء العرب لم تكن يوماً علاقة مصالح ظرفية، بل شراكة تاريخية أسهم فيها اللبنانيون فى نهضة العديد من الدول العربية فى مجالات التعليم والطب والهندسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، كما كان للدول العربية دور أساسى فى دعم لبنان واستقراره وتنمية اقتصاده. وأثبتت التجربة أن لبنان يزداد قوة كلما تعززت علاقاته العربية، ويضعف كلما ابتعد عن محيطه الطبيعى.
غير أن السنوات الأخيرة حملت للبنان أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادى والمالى إلى تعثر المؤسسات وتداعيات الحروب والأزمات الإقليمية، فتراجعت الثقة بالدولة، واهتزت علاقاته العربية، ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. واليوم، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية تفرض إعادة التفكير فى كيفية استعادة الدولة وصناعة المستقبل.
ولا يمكن الحديث عن بناء جمهورية جديدة من دون العودة إلى المرجعية التى توافق عليها اللبنانيون لإنهاء الحرب الأهلية وإطلاق مسار الدولة، أى اتفاق الطائف. فقد شكّل هذا الاتفاق نقطة تحول تاريخية، ليس لأنه أنهى الحرب فحسب، بل لأنه وضع الأسس الدستورية والسياسية لبناء دولة المؤسسات، ورسّخ مبدأ الشراكة الوطنية، وأكد هوية لبنان العربية، وربط استقراره بقيام دولة قوية وعادلة تحتكم إلى الدستور والقانون.
لقد أثبتت التجربة أن الأزمة اللبنانية لم تكن أزمة اتفاق الطائف، بل أزمة عدم تطبيقه. فقد جرى التعامل معه بانتقائية، فنُفذت بعض بنوده، فيما أُهملت الإصلاحات الجوهرية التى نص عليها، ولا سيما تلك المتعلقة ببناء المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وتحديث الإدارة، وإلغاء الطائفية السياسية وفق الآليات الدستورية. وبدل أن تُبنى الدولة، نشأت مراكز نفوذ داخلها، وتراجعت هيبة المؤسسات، واتسعت المحاصصة، فكان الانهيار الذى دفع اللبنانيون ثمنه غالياً.
لقد حاول اللبنانيون فى انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول عام 2019 إحداث تغيير حقيقى فى بنية النظام السياسى، لكن منظومة السلطة، رغم اختلافاتها، نجحت فى حماية مصالحها، فتعثرت فرصة الإصلاح، واستمرت الأزمة بكل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
إن الحديث اليوم عن «إعادة تكوين الدولة» لا يجب أن يكون دعوة لتجاوز اتفاق الطائف، بل للعودة إليه وتطبيقه تطبيقاً كاملاً وأميناً، لأنه لا يمكن تطوير أى نظام قبل الالتزام بقواعده الدستورية. وبعد التطبيق، يمكن للبنانيين، ومن خلال المؤسسات الدستورية والتوافق الوطنى، تقييم التجربة، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير بما ينسجم مع المتغيرات التى شهدتها المنطقة، أما القفز فوق الطائف قبل تطبيقه فلن يؤدى إلا إلى تعميق الانقسام وإضعاف الدولة.
وفى موازاة ذلك، لا يستطيع لبنان أن يعيد بناء دولته وهو بعيد عن محيطه العربى. فهويته العربية ليست موضع نقاش، بل هى عنصر قوة ومصلحة وطنية عليا. إن أفضل العلاقات مع الدول العربية تشكل حاجة سياسية واقتصادية واستراتيجية للبنان، كما أن لبنان المستقر والقوى يشكل بدوره قيمة مضافة للنظام العربى وعنصراً من عناصر استقرار المنطقة.
أما المتغيرات الإقليمية والتسويات التى تشهدها المنطقة، فلا ينبغى أن تدفع اللبنانيين إلى انتظار ما ستؤول إليه التطورات، بل إلى المبادرة فى ترتيب بيتهم الداخلى. فقد أثبت التاريخ أن استقرار لبنان يقوم على ركيزتين متلازمتين: الوحدة الوطنية بين أبنائه، والاستقرار العربى والإقليمى. ومن دون هذين العاملين، يبقى لبنان عرضة للاهتزازات الخارجية والانقسامات الداخلية.
إن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة الاعتبار لمؤسساتها، وفى مقدمتها القضاء، والإدارة العامة، والأجهزة الرقابية، وبإطلاق إصلاح اقتصادى ومالى يحفظ حقوق المودعين، ويعيد الثقة بالقطاع المصرفى، ويشجع الاستثمار والإنتاج، ويوفر فرص العمل، ويعالج الأزمات المزمنة فى الكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم والنقل. فالدولة تُقاس بقدرتها على خدمة مواطنيها، لا بحجم الخلافات داخلها.
كما أن التنوع اللبنانى، الذى كان على الدوام مصدر غنى، يجب أن يتحول إلى عنصر قوة داخل إطار الدولة، لا إلى سبب لتعطيلها. فالمواطنة الحقيقية تعنى أن يكون الانتماء إلى الدولة فوق أى انتماء آخر، وأن تكون الكفاءة وسيادة القانون والمساواة هى الأساس فى إدارة الشأن العام.
إن السؤال الحقيقى ليس من سيرسم مستقبل لبنان؟ بل كيف يستعيد اللبنانيون زمام المبادرة فى رسم مستقبلهم بأنفسهم؟ فلبنان يمتلك كل مقومات النهوض: الإنسان الكفء، والانتشار اللبنانى الواسع، والإرث الثقافى والحضارى، والموقع الجغرافى، والدعم العربى الممكن. وما ينقصه هو القرار الوطنى الجامع، والإدارة الرشيدة، والإرادة السياسية الصادقة.
إن مستقبل لبنان يبدأ من الدولة، والدولة تبدأ من الالتزام بالدستور وتطبيق اتفاق الطائف، ومن ترسيخ عروبة لبنان وتعزيز أفضل العلاقات مع أشقائه العرب، لأن هذه الركائز ليست مجرد خيارات سياسية، بل هى الضمانة الحقيقية لاستعادة الاستقرار، وإنقاذ الاقتصاد، وإعادة ثقة اللبنانيين بوطنهم، وتمكين لبنان من استعادة دوره العربى والإنسانى والريادى، بما يليق بتاريخه وتطلعات شعبه.
-----------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار مدينة صيدا ولبنان/النائب د. عبدالرحمن البزري يكتب: لبنان بين إعادة تكوين الدولة وعروبته.. الطائف طريق المستقبل