الرئيسية / أخبار صيدا /مقالات /في رحيل الصديق العزيز الدكتور المعمار رهيف فياض (بقلم : محمد دندشلي - ابو سلطان )

جريدة صيدونيانيوز.نت / في رحيل الصديق العزيز الدكتور المعمار رهيف فياض (بقلم : محمد دندشلي - ابو سلطان )

Sidonianews.net

-----------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت

(بقلم : محمد دندشلي - ابو سلطان )

إلى عائلة رهيف الصديق  العزيز،

إلى رفاقه وطلابه،

إلى كل من أحبّه وعرفه أو تتلمذ على يديه…

 

نقف اليوم أمام غيابٍ لا يُشبه أي غياب.

نقف أمام صمتٍ أثقل من كل الكلمات،

وأقسى من أن يُختصر بعبارة: رحل.

 

لقد غاب صديقنا…

المهندس المعمار،

الناقد،

المعلّم…

لكن الحقيقة الأصدق أنّه لم يغِب كما يغيب الآخرون.

هو فقط انتقل من المكان إلى المعنى.

 

كان رجلًا لا يرى في العمارة حجارةً تُصفّ فوق حجارة،

بل كان يراها حياةً كاملة،

ذاكرةً تمشي بين الأزقة،

ووجوهًا مطبوعة على الجدران،

وأصواتًا لا تزال تسكن الشرفات القديمة.

 

أحبّ العمارة…

لا كمهنة،

بل كعشقٍ بلغ حدّ الثمالة.

 

بيننا، نحن الاثنين،

لم تكن العمارة موضوع نقاش…

كانت لغةً سرّية،

وكانت بيتًا نلتقي فيه كلما ضاق بنا هذا العالم.

 

نشأت بيننا علاقة عشقٍ عتيق،

لا تقوم على المشاريع،والنظريات ,

والصور الجميلة في الكتب…

بل على ذلك الإيمان العميق

أن التراث والعمارة التقليدية ليسوا ماضيًا،

بل هم هوية وفعل مقاومة.

كان يقول

إن الدفاع عن البيت القديم

هو دفاع عن الإنسان،

وإن حماية الأزقة

هي حماية للذاكرة،

وإن إنقاذ نافذة خشبية

قد يكون أصدق من ألف مؤتمر عن الهوية.

 

كان يعرف، كما القلائل يعرفون،

أن الهوية لا تُكتب في البيانات،

بل تُبنى في التفاصيل الصغيرة:

في حجر العتبة،

في انحناءة الدرج،

في ظلّ شجرة داخل باحة.

وكان ناقدًا…

لكن نقده لم يكن قاسيًا ولا متعاليًا.

كان نقد المحب،

نقد من يتألّم حين يرى التشويه،

ويغضب حين يرى الاستسهال،

ويحزن حين يرى مدننا تُباع قطعةً قطعةً .

 

وكان معلّمًا…

يعلّم طلابه أن لا يقبلوا أن يكونوا مجرّد رسّامين لأفكار الآخرين،

ولا مجرّد منفّذين لسوقٍ أعمى،

بل أصحاب موقف،

وأصحاب ضمير.

 

علّمهم أن يسألوا:

لمن نبني؟

ولماذا نبني؟

ومن سيدفع ثمن هذا البناء؟

 

أما نحن، أصدقاؤه،

فتشاركنا وإياه شيئًا أصعب…

تشاركنا  كيفية الحفاظ على إنسانيتنا داخل هذه المهنة القاسية،

التي تستهلك الأحلام بسرعة.

 

وأوصانا أن نتمسّك بالجمال،

حتى حين يبدو الجمال فكرة خاسرة.

 

اليوم،

حين ننظر حولنا،

إلى هذه الوجوه المكسورة…

إلى عائلته التي خسرته ،

إلى طلابه الذين فقدوا أبًا فكريًا…

ندرك كم كان هذا الرجل حاضرًا في حياة الكثيرين

من دون ضجيج.

 

إلى عائلته الكريمة…

نقول :

لم تخسروا رهيف وحدكم.

نحن خسرناه معكم.

وخسرت معه مدننا صوتًا نادرًا

كان يدافع عنها بصدق.

 

رحل رهيف ،

لكن كتبه ستبقى،

وكلماته ستبقى،

وأفكاره ستبقى في دفاتر طلابه،

وفي مشاريع لم تولد بعد،

وفي مدينة ستنهض يومًا

على ما زرعه في العقول والقلوب.

 

أعدك، يا صديقي،

أن تبقى العمارة التي أحببتها…

عمارة الناس،

عمارة الذاكرة،

عمارة الهوية…

حيّة فينا.

 

نم قرير العين،

فان ما زرعته….

لن يموت

------------------------------

أخبار مدينة صيدا  ولبنان / في رحيل الصديق العزيز الدكتور المعمار رهيف فياض (بقلم : محمد دندشلي - ابو سلطان )

 

 

 

 

 

2026-02-09

دلالات: