الرئيسية / أخبار لبنان /تحقيقيات وتقارير /الاستسلام لواشنطن خيار الضرورة

جريدة صيدونيانيوز.نت / الاستسلام لواشنطن خيار الضرورة

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية / طوني عيسى

ينتقل المأزق اللبناني اليوم إلى منطلقه الأشدّ خطورة وعمقاً. فبعد جولة المفاوضات العسكرية العقيمة في البنتاغون، والتي انتهت إلى طريق مسدود بسبب تمسّك الوفد اللبناني بصيغه الرسمية الجامدة، في مقابل استقواء ميداني إسرائيلي قاطع، يواجه لبنان اليوم بداية المفاوضات السياسية في واشنطن.

وإذا كانت الجولة العسكرية قد أربكت بيروت بمطالب «تقنية» أمنية، فإنّ الجولة السياسية ستكون أكثر إيجاعاً وبنيوية، إذ تضع الدولة اللبنانية في زاوية حرجة من الشروط السياسية والاقتصادية التي تشكّل، بالتكامل مع الترتيبات الأمنية، كماشة ستطبق على البلد وتقوده إلى تحوُّلات جذرية لم يتحسّب لها أي من الأطراف اللبنانيّين.

​يتحرَّك لبنان الرسمي على الطاولة الأميركية بلا أي هامش للمناورة، بعدما تحوَّل البلد إلى رهينة بين قوّتَين إقليميّتَين، تعمل كل منهما لفرض خياراتها وإقصاء الأخرى بالحديد والنار. ف​إسرائيل تستغل تفوُّقها الميداني المطلق لتوسيع حزامها الأمني واجتياح مناطق جديدة خارج الخط الأصفر، ورفع علمها فوق المرتفعات الاستراتيجية كقلعة شقيف أرنون، فارضةً سياسة قضم جغرافي وإفراغ ديموغرافي منظّم للجنوب. وفي المقابل، ترفض طهران التخلّي عن نفوذها ومكاسبها الاستراتيجية على شاطئ المتوسط، وتُصِرّ عبر «حزب الله» على رفض الانصياع لمنطق الدولة وحصر السلاح، ولو كان ثمن هذا التمسك احتراق جزء واسع من لبنان ومحو معالمه الجغرافية والبشرية.

​وسط هذا الاستفراد الإقليمي الكامل، يجد لبنان نفسه رهينة للخيارات التي تفرضها الولايات المتحدة. فواشنطن ليست اليوم مجرّد وسيط ديبلوماسي، بل هي «الممر الإلزامي الوحيد» الذي يمكن للدولة اللبنانية الركون إليه لمحاولة لجم الجموح الإسرائيلي الكاسح من الخارج، ومواجهة الهيمنة الإيرانية المطبقة من الداخل في آنٍ معاً. ويمتلك الوسيط الأميركي أوراق قوّة مطلقة. فهو يفرض شروطه السياسية والمالية والأمنية تحت قاعدة: «قبول الإذعان الكامل أو رفع الغطاء». وإذا قرّر المفاوض اللبناني الرفض أو المماطلة بالصيغ القديمة، فإنّ واشنطن لن تتردّد في سحب يدها الديبلوماسية، وترك الدولة اللبنانية تغرق وحيدة في مصيرها. ويجد لبنان نفسه ملزماً تماماً في المفاوضات، بالسير في الخيارات الإجرائية التي تمليها واشنطن، أياً كانت صعوباتها ومهما بلغت تحدّياتها السيادية. والتحدّي هو أنّ واشنطن لم تعُد تقبل بتحسين شروط «المساكنة» مع واقع السلاح في الداخل، بل تطلب من الدولة اللبنانية الانخراط في هندسة سياسية واقتصادية جديدة.

​ليس للبنان بديل من الخيار الأميركي سوى الانسحاق التام. فرفض الشروط الأميركية يعني رفع المظلة الدولية الوحيدة المتبقية، ما يمنح حكومة بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر لاستكمال حربها التدميرية الشاملة، لتبتلع الأرض حتى نهر الزهراني وما بعده، وتضرب عمق العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية والبُنية التحتية في لبنان كله، فيما لا تقدِّم أي دولة أخرى في العالم أكثر من بيانات التضامن اللفظي، فوق ركام بلد يكاد يُشطب عن الخريطة.

​المفاوضات السياسية التي يُفترض أن تبدأ اليوم في واشنطن، هي اللحظة التي يوضع فيها لبنان أمام حقيقته العارية: دولة بلا أوراق قوّة، محاصرة بين جرافات إسرائيل ودباباتها وطائراتها التي تصل إلى بيروت وأي منطقة تريدها، و»عناد يائس» تفرضه إيران. و​الخيار اللبناني اليوم هو مفاضلة بين التخلّي الطوعي عن السلاح للدولة، وفق الطروحات الأميركية، لإنقاذ ما تبقّى من البلد، أو الرفض، فتكون النتيجة الحتمية هي الرضوخ للشروط إيّاها مستقبلاً، ولكن فوق أرض مبتورة، بلا منازل ولا سكان، وعلى أنقاض دولة لم يعُد لها وجود.

--------------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / الاستسلام لواشنطن خيار الضرورة

 

 

 

2026-06-02

دلالات: